فنقول إن الهواء والأجسام المشفة ليس تنصبغ بالألوان والأضواء ولا تتغير بها تغيرًا ثابتًا، وإنما خاصة الأضواء والألوان أن تمتد صورها على سموت مستقيمة.ومن خاصة الجسم المشف أن لا يمنع نفوذ صور الأضواء والألوان في شفيفه، فهو إنما يقبل هذه الصور قبول تأدية لا قبول استحالة. وقد تبين أن صور الأضواء والألوان ليس تمتد في الهواء والأجسام المشفة إلا على سموت الخطوط المستقيمة فقط. وإذا كانت صور الأضواء والألوان ليس تمتد إلا على السموت المستقيمة فكل جسم من الأجسام المتلونة المضيئة التي تحضر معًا في هواء واحد تمتد صورة الضوء واللون اللذين فيه على سموت الخطوط المستقيمة التي تمتد منه في ذلك الهواء، وتكون السموت التي تمتد عليها الصور المختلفة متقاطعة ومتوازية ومختلفة الوضع، كل سمت منها متميز بالجسم الذي منه امتدت الصورة على ذلك السمت. وإذا كان الهواء والأجسام المشفة ليس تنصبغ بالألوان ولا بالأضواء ولا تتأثر بها تأثرًا ثابتًا وإما تنفذ الصور فيها فقط فالصور التي تمتد من الأجسام المختلفة في هواء واحد تمتد كل صورة منها على سموتها وتنفذ إلى الجهات المقابلة لها من غير أن تمتزج بغيرها.
والذي يدل على أن الأضواء والألوان ليس تمتزج في الهواء ولا في الأجسام المشفة هو أنه إذا كانت في موضع واحد عدة سرج في أمكنة متفرقة، وكانت جميعها مقابلة لثقب واحد، وكان ذلك الثقب ينفذ إلى مكان مظلم، وكان مقابل ذلك الثقب في المكان المظلم جدار أو قوبل الثقب في المكان المظلم بجسم كثيف، فإن أضواء تلك السرج تظهر على ذلك الجسم أو ذلك الجدار متفرقة وبعدد تلك السرج وكل واحد منها مقابلًا لواحد من السرج على السمت المستقيم الذي يمر بالثقب. وإذا ستر واحد من السرج بطل من الأضواء التي في الموضع المظلم الضوء الذي كان يقابل ذلك السراج فقط، وإن رفع الساتر عن السراج عاد ذلك الضوء إلى مكانه. وأي سراج من تلك السرج ستر بطل من الموضع الضوء الذي كان يقابل ذلك السراج الذي ستر فقط، وإذا رفع الساتر عاد الضوء إلى موضعه.
وهذا المعنى يمكن أن يعتبر في كل وقت وبسهولة. وذلك بأن يعتمد المعتبر بيتًا من البيوت في ليل مظلم ويكون على البيت باب من مصراعين، ويحضر عدة من السرج ويجعلها مقابلة للباب ومتفرقة. ويدخل المعتبر إلى داخل البيت ويرد الباب ويفرج بين المصراعين ويفتح منهما مقدارًا يسيرًان ثم يتأمل حائط البيت المقابل للباب: فإنه يجد عليه أضواءً متفرقة بعدد تلك السرج قد دخلت من فرجة الباب كل واحد منها مقابل لسراج من تلك السرج. ثم إن تقدم المعتبر بأن يستر واحدًا من تلك السرج بطل الضوء المقابل لذلك السراج، وإذا رفع الساتر عاد الضوء. وإن ستر المعتبر الفرجة التي انفرجت من الباب وبقي منها ثقب صغير فقط، وكان الثقب مقابلًا للسرج ، فإنه يجد على حائط البيت أضواءً متفرقة أيضًا بعدد تلك السرج وكل واحد منها بحسب مقدار الثقب.
وجميع الأضواء التي تظهر في المكان المظلم إنما وصلت إليه من الثقب فقط، فقد اجتمعت أضواء جميع تلك السرج في الثقب ثم افترقت بعد نفوذها من الثقب. فلو كانت الأضواء تمتزج في الهواء لكانت أضواء السرج التي تجتمع في الثقب تمتزج في الهواء الذي في الثقب وفي الهواء المتقدم للثقب قبل وصولها إلى الثقب، وكانت إذا نفذت من الثقب تنفذ ممتزجة فلا تتميز بعد نفوذها. وليس نجد الأمر كذلك، وإنما يوجد نفوذها متميزة، فكل واحد منها مقابل للسراج الذي منه ذلك الضوء. وإذا كان ذلك كذلك فالأضواء إذن ليس تمتزج في الهواء، بل كل واحد منها يمتد على سموت مستقيمة، ويتميز بالسموت التي يمتد عليها، وتكون السموت التي تمتد عليها الأضواء المتفرقة متقاطعة ومتوازية ومختلفة الوضع كل واحد من الأضواء تمتد صورته على جميع السموت التي يصح أن تمتد منه في ذلك الهواء، ومع ذلك فلا تمتزج في الهواء ولا ينصبغ الهواء بها وإنما تنفذ في شفيفه فقط والهواء مع ذلك حافظ لصورته.