الصفحة 59 من 245

وقد تبين أن صور الألوان تصحب ويوجدان أبدًا معا. فصور الألوان أيضًا تمتد في الهواء على السموت المستقيمة التي تمتد عليها الأضواء، والألوان المتفرقة تمتد صورها على سموت متقاطعة ومتوازية ومختلفة الوضع كما تمتد صور الأضواء المتفرقة، وتكون مصاحبة للأضواء ، ولا تمتزج صور الألوان ولا ينصبغ الهواء بها بل تكون كل صورة من صور الألوان المختلفة المتفرقة متميزة بسموتها.

وكذلك الحال في جميع الأجسام المشفة تمتد صور الأضواء والألوان فيها ولا تمتزج ، ولا تنصبغ الأجسام المشفة بها، وكذلك طبقات البصر المشفة تنفذ فيها صور جميع الألوان والأضواء التي تقابل البصر في وقت واحد، ولا تمتزج الصور فيها ولا تنصبغ هي بها.

فأما العضو الحاس الذي هو الرطوبة الجليدية فليس قبوله لصور الألوان والأضواء كقبول الهواء والأجسام المشفة الغير حساسة بل على صفة مخالفة للصفة التي عليها تقبل الأجسام المشفة هذه الصور. وذلك أن هذا العضو متهيئ للإحساس بهذه الصور، فهو يقبلها بما هو حساس مع قبوله لها بما هو مشف. وقد تبين ان انفعاله بهذه الصور هو من جنس الألم، وكيفية قبوله لهذه الصور مخافة لكيفية قبول الأجسام المشفة الغير حساسة، إلا أن هذا العضو مع قبوله لهذه الصور بما هو حساس ومع تأثيرها فيه وتألمه بها ليس ينصبغ بهذه الصور انصباغًا ثابتًا ولا تبقى صور الألوان والأضواء فيه بعد انصرافه عن مقابلتها وانصرافها عن مقابلته.

وقد يمكن أن يعارض هذا القول أيضًا، أعني أن البصر ليس ينصبغ بالألوان والأضواء، فيقال: قد تقدم أن الأضواء القوية والألوان المشرقة التي تشرق عليها أضواء قوية تؤثر في البصر وتبقى آثارها في البصر بعد انصرافه عن مقابلتها، وتبقى صور الألوان في البصر زمانًا محسوسًا. ونجد البصر كلما يدركه من المبصرات في عقيب هذا التأثير ملتبسًا بالألوان التي أثرت فيه.

وهذا المعنى ظاهر لا يقع فيه لبس. وإذا كان ذلك كذلك فالبصر إذن ينصبغ بالألوان والأضواء. ويلزم أيضًا من ذلك أن تكون الأجسام المشفة الرطبة تنصبغ بالألوان والأضواء.

فنقول إن هذا المعنى بعينه هو الذي يدل على أن البصر ليس ينصبغ بالألوان والأضواء ولا تبقى آثار الأضواء والألوان فيه. وذلك أن هذه الآثار التي ذكرناها إنما تكون بالإفراط ومن الأضواء المفرطة والألوان التي تشرق عليها أضواء في غاية القوة.وهو ظاهر أن هذه الآثار ليس تبقى بعد انصرافه عن مقابلة مؤثراتها إلا زمانًا يسيرًا ثم تزول. وهو ظاهر أيضًا أن الأضواء المعتدلة والضعيفة وآثار الألوان التي أضواؤها معتدلة وضعيفة ليس تبقى في البصر بعد انصرافه عن مقابلتها ولا يسيرًا من الزمان. فالعضو الحاس إذن الذي هو الجليدية يتأثر بالأضواء والألوان بقدر ما يحس من الأثر بالمؤثر. ثم يزول منه ذلك الأثر بعد انصرافه عن مقابلة المؤثر. فتأثره بالألوان والأضواء هو انصباغ ما ولكنه انصباغ غير ثابت.

وأيضًا فإن البصر متهيئ للأثر والألوان والإحساس بها، فهو يتأثر بها، ومع ذلك ليس تبقى فيه الآثار. والهواء والأجسام المشفة الخارجة عن البصر والطبقات المشفة المتقدمة للجليدية من طبقات البصر ليست متهيئة للتأثر بالأضواء والألوان والإحساس بها، وإنما هي متهيئة لتأدية الأضواء والألوان فقط. فالهواء والأجسام المشفة تؤدي صور الأضواء والألوان ولا تنصبغ بها ولا تتأثر، بل تكون أبدًا حافظة لصورتها، ومع ذلك تؤدي الصور التي تشرق عليها، وكذلك جميع الجسام المشفة وجميع طبقات البصر المشفة المتقدمة للجليدية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت