إلا أنه ليس إدراك حاسة البصر لجميع المعاني على صفة واحدة ولا إدراكها لكل واحد من المعاني بمجرد الحس . وذلك أن حاسة البصر إذا أدركت شخصين من الأشخاص في وقت واحد وكان الشخصان متشابهين في الصورة فإنها تدرك الشخصين وتدرك أنهما متشابهان. وتشابه صورتي الشخص ليس هو الصورتين أنفسهما ولا واحدة منهما.
وإذا كانت حاسة البصر تدرك الشخصين من الصورتين اللتين تحصلان في البصر للشخصين فهي تدرك تشابه الشخصين من تشابه الصورتين اللتين تحصلان في البصر للشخصين. وتشابه الصورتين اللتين تحصلان في البصر ليس هو الصورتين أنفسهما اللتين في البصر ولا واحدة منهما. وليس يحصل في البصر صورة ثالثة للشخصين يدرك الحس منها التشابه. وليس يحصل في البصر للشخصين غير الصورتين فقط. فليس إدراك حاسة البصر للتشابه من صورة ثالثة تحصل في البصر تخص التشابه.
وأيضًا فإن التشابه الصورتين هو اتفاقهما في معنى من المعاني وحصول ذلك المعنى في كل واحد من الصورتين. فليس يدرك تشابه الصورتين إلا من قياس إحداهما بالأخرى وإدراك المعنى الذي به يتشابهان في كل واحدة منهما. وإذا كانت حاسة البصر تدرك التشابه، ولم يكن في البصر صورة ثالثة يدرك منها التشابه، وكان التشابه ليس يدرك إلا من قياس إحدى الصورتين بالأخرى، فحاسة البصر إذن إنما تدرك تشابه الصورتين من قياس إحدى الصورتين اللتين تحصلان في البصر إحداهما بالأخرى.
وكذلك أيضًا يدرك حاسة البصر اختلاف الصورتين المختلفتين من قياس إحدى الصورتين بالأخرى.
فتشابه الصور واختلافها إنما يدركه حاسة البصر من قياس الصور التي تحصل في البصر بعضها ببعض.
وإذا كان ذلك كذلك فإدراك حاسة البصر لتشابه الصور واختلافها ليس بمجرد الحس وإنما هو من قياس الصور التي يدركها بمجرد الحس بعضها ببعض.
وأيضًا فإن البصر إذا أدرك لونين من جنس واحد وكان أحدهما أقوى من الأخر كأخضر زنجاري وأخضر فستقي، فإن الحاس يدرك أنهما أخضران ويدرك أن أحدهما أشد خضرة من الآخر ويفرق بين الخضرتين، فهو يدرك تشابههما في الخضرة ويدرك اختلافهما في القوة والضعف. وكذلك يفرق بين الحمرتين وبين الزرقتين وكل لونين من جنس واحد إذا كان أحدهما أقوى من الآخر.
والتفريق بين الخضرتين ليس هو نفس الإحساس بالخضرة، لأن الإحساس بالخضرة إنما هو من اخضرار البصر بالخضرة، والبصر بكلى الخضرتين يخضر، ومن اخضراره بكلتي الخضرتين يدرك الحاس أنهما من جنس واحد. فإدراكه أن إحدى الخضرتين أقوى من الأخر وإدراكه أنهما من جنس واحد هو تمييز التلون الذي يحصل في البصر لا نفس الإحساس بالتلون.
وكذلك إذا كان اللونان متشابهين في القوة وكانا من جنس واحد فالحاس يدرك اللونين ويدرك انهما من جنس واحد. والحاس يدرك اللونين ويدرك أنهما من جنس واحد ويدرك أنهما متشابهان في القوة.
وكذلك حال الأضواء عند حاسة البصر. فإن حاسة البصر يدرك الأضواء ويفرق بين الضوء القوي والضوء الضعيف ويدرك تشابه الأضواء في القوة والضعف.
فإدراك حاسة البصر لتشابه الألوان واختلافها وإدراكها لتشابه الأضواء واختلافها وإدراكها لتشابه تخطيط صور المبصرات وهيئاتها ولاختلافها واختلاف هيئاتها إنما هو بتمييزها وقياس بعضها إلى بعض لا بمجرد الحس.
وأيضًا فإن حاسة البصر ليس يدرك شفيف الأجسام المشفة إلا بالتمييز والقياس. وذلك أن الأحجار المشفة التي شفيفها يسير ليس يدرك البصر شفيفها إلا بعد أن يقابل بها الضوء وتستشف. فإذا أدرك الضوء من ورائها أدرك أنها مشفة . وكذلك كل جسم مشف ليس يدرك البصر شفيفه إلا بعد أن يدرك ما وراءه من الأجسام، أو يدرك الضوء من ورائه، ويدرك التمييز مع ذلك أن الذي يظهر من ورائه هو غير الجسم المشف، وليس يدرك الشفيف إن لم يدرك ما وراء الجسم المشف أو يدرك نفوذ الضوء فيه ويدرك التمييز مع ذلك أن الذي يظهر من وراء ذلك الجسم هو غير ذلك الجسم.وإدراك أن ما وراء الجسم المشف هو غير ذلك الجسم ليس هو إدراكًا بمجرد الحس وإنما هو إدراك بالاستدلال، فالشفيف ليس يدرك إلا بالاستدلال. وإذا كان ليس يدرك الشفيف إلا بالتمييز والقياس.