الصفحة 81 من 245

وأيضًا فإن الكتابة ليس تدرك إلا من تمييز صور الحروف وتأليفها وقياسها بأمثالها التي قد عرفها الكاتب من قبل ذلك وألفها. وكذلك كثير من المعاني المبصرة إذا تؤملت كيفية إدراكها وجدت ليس تدرك بمجرد الإحساس وليس تدرك إلا بالتمييز والقياس.

وإذا كان ذلك كذلك فليس جميع ما يدرك بحاسة البصر يدرك بمجرد الحس، بل كثير من المعاني المبصرة تدرك بالتمييز والقياس مع الإحساس بصورة المبصر، لا بمجرد الحس فقط.

وليس للبصر قوة للتمييز ولكن القوة المميزة هي التي تميز هذه المعاني. إلا أن تمييز القوة المميزة للمعاني المبصرة ليس يكون إلا بتوسط حاسة البصر.

وأيضًا فإن البصر يعرف المبصرات ويدرك كثيرًا من المبصرات وكثيرًا من المعاني المبصرة بالمعرفة، فيعرف الإنسان أنه إنسان، ويعرف الفرس أنه فرس، ويعرف زيدًا بعينه أنه زيد إذا كان قد شاهده من قبل وكان ذاكرًا لمشاهدته، ويعرف الحيوانات المألوفة، ويعرف النبات والثمار والأحجار والجمادات التي قد شاهدها من قيل وشاهد أمثالها، ويعرف الآلات وما يكثر استعماله وتكثر مشاهدته، ويعرف جميع المعاني المألوفة التي تكون في المبصرات التي تكثر مشاهدته لها.

وليس يدرك البصرة شيء من المبصرات إلا بالمعرفة. والمعرفة ليس هي إدراكًا بمجرد الإحساس، وذلك أن البصر ليس يعرف كل ما شاهده من قبل. وإذا أدرك البصر شخصًا من الأشخاص وغاب عنه مدة ثم شاهده من بعد ولم يكن ذاكرًا لمشاهدته الأولة فليس يعرفه وإنما يعرف ما يعرفه إذا كان ذاكرًا لمشاهدته من قبل. فلو كانت المعرفة هي إدراكًا بمجرد الإحساس لكان البصر إذا رأى شخصًا قد شاهده من قبل عرفه عند المشاهدة الثانية على تصاريف الأحوال. ولكن البصر ليس يعرف الشخص الذي قد شاهده من قبل إلا إذا كان ذاكرًا لمشاهدته الأولة ولصورته التي أدركها في الحالة الأولى أو في المرات التي تكررت عليه تلك الصورة من قبل. وليس تكون المعرفة إلا بالذكر فالمعرفة إذن ليس هي إدراكًا بمجرد الإحساس.

والإدراك بالمعرفة هو ضرب من ضروب القياس. وذلك أن المعرفة هو إدراك تشابه الصورتين، أعني الصورة التي يدركها البصر من المبصرات في حال المعرفة والصورة التي أدركها من ذلك المبصر أو من أمثاله في الحالة الأولى أو في المرات التي تقدمت إن كان أدرك ذلك المبصر أو أمثاله مرات كثيرة. ولذلك ليس تكون المعرفة إلا بالتذكير لأنه إن لم تكن الصورة الأولة حاضرة للذكر لم يدرك تشابه الصورتين ولم يعرف البصر المبصر.

والمعرفة قد تكون بالشخص وقد تكون بالنوع، فالمعرفة بالشخص تكون من تشبيه صورة الشخص المبصر التي أدركها البصر في حال معرفة الشخص بصورته التي أدركها من قبل. والمعرفة بالنوع تكون من تشبيه صورة المبصر بصورة أمثاله من أشخاص نوعه التي أدركها البصر من قبل.

وإدراك التشابه هو إدراك بقياس، لنه إنما هو من قياس إحدى الصورتين بالأخرى. فالمعرفة إذن إنما تكون بضرب من ضروب القياس. إلا أن هذا القياس يتميز عن جميع المقاييس. وذلك أن المعرفة ليس تكون باستقراء جميع المعاني التي في الصورة، بل إنما تكون المعرفة بالأمارات. فإذا أدرك البصر معنى من المعاني التي في الصورة، وكان ذاكرًا للصورة الأولة، فقد عرف الصورة . وليس كذلك جميع ما يدرك بالقياس، فإن كثيرًا مما يدرك بالقياس ليس يدرك إلا بعد استقراء جميع المعاني التي في الشخص الذي يدرك بالقياس أو أكثرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت