وكذلك كثير من المعاني المبصرة التي تدرك بالقياس ليس تدرك إلا بعد استقراء جميع المعاني التي فيها. وذلك أن الإنسان الكاتب إذا لحظ صورة ابجد مكتوبة في ورقة فإنه في حال ملاحظته لها قد أدرك أنه ابجد لمعرفته بالصورة. فمن إدراكه لتقدم الألف وتأخر الدال قد أدرك أنه أبجد، أو من إدراكه لتشكل جملة الصورة قد أدرك أنها ابجد. وكذلك إذا رأى اسم الله تعالى مكتوبًا فإنه في حال ملاحظته قد أدرك أنه اسم الله تعالى بالمعرفة. وكذلك جميع الكلمات المشهورة التي يكثر تكررها على البصر إذا شاهدها الكاتب أدرك ما هي الكلمة في الحال بالمعرفة من غير حاجة إلى استقراء حروفها حرفًا حرفًا. وليس كذلك إذا لحظ الكاتب كلمة غريبة مكتوبة وكانت كلمة لم ترد عليه قبل ذلك الوقت ولم يقرأ مثلها من قبل. وليس يدرك الكاتب الكلمة الغريبة التي لم ترد عليه من قبل إلا بعد أن يستقرئ حروفها حرفًا حرفًا ويميز معانيها، ومن بعد ذلك يدرك معنى الكلمة. وكذلك كل معنى يدرك بحاسة البصر إذا لم يكن قد ورد على البصر من قبل. فكل صورة لم تكن وردت على البصر من قبل ولم يرد عليه مثلها إذا أدركها البصر ليس يدرك البصر ما هي تلك الصورة أو ما هو ذلك المعنى، وليس يدرك أيضًا حقيقة تلك الصورة ولا حقيقة ذلك المعنى، إلا بعد أن يستقرئ جميع المعاني التي في تلك الصورة أو في ذلك المعنى أو كثيرًا منها ويميز معانيها.
والصورة التي قد أدركها البصر من قبل أو قد أدرك أمثالها يدرك البصر ما هي تلك الصورة في حال إدراكه الصورة من إدراكه بعض المعاني التي في الصورة إذا كان ذاكرًا لإدراكه لتلك الصورة أو أمثالها من قبل. فالذي يدرك بالمعرفة يدرك بالأمارة، وليس كل ما يدرك بالقياس يدرك بالأمارات. والإدراك بالمعرفة يتميز عن جميع ما يدرك بالقياس إذا لم يكن إدراكًا بالمعرفة، وهو يتميز بالسرعة لأنه إدراك بالأمارات. وأكثر المعاني المبصرة ليس تدرك إلا بالمعرفة، وليس تدرك مائية شيء من المبصرات ولا مائية شيء من المحسوسات بجميع الحواس إلا بالمعرفة.
والمعرفة ليس هي مجرد الإحساس. فحاسة البصر يدرك صور المبصرات من الصور التي ترد إلى البصر من ألوان المبصرات وأضوائها. وإدراكها للأضواء بما هي أضواء وللألوان بما هي ألوان يكون بمجرد الإحساس. ثم ما كان في الصور من المعاني قد أدركها البصر من قبل أو أدرك أمثالها، وهو ذاكر لما أدركه منها ومن أمثالها، فإنما يدركها في الحال بالمعرفة ومن الأمارات التي تكون في الصورة.ثم القوة المميزة تميز هذه الصورة فيدرك منها جميع المعاني التي تكون فيها من الترتيب والتخطيط والتشابه والاختلاف وجميع المعاني التي تكون في الصورة التي ليس يتم إدراكها بمجرد الحس ولا بالمعرفة. فالمعاني التي تدرك بحاسة البصر منها ما يدرك بالمعرفة ومنها ما يدرك بتمييز وقياس يزيد على مقاييس المعرفة.وأيضًا فإن أكثر المعاني المبصرة التي تدرك بالتمييز والقياس يدرك أكثرها في زمان في غاية الصغر، ولا يظهر في أكثر الأحوال أن إدراكها بتمييز وقياس لسرعة القياس الذي به تدرك هذه المعاني وسرعة إدراكها بالقياس. وذلك آن شكل الجسم وعظمه وشفيفه وما جرى هذا المجرى من المعاني التي في المبصرات تدرك في أكثر أحوالها إدراكًا في غاية السرعة ولا تدرك في الحال إذ إدراكها بقياس وتمييز إذا كان إدراكها في غاية السرعة. وسرعة إدراك هذه المعاني بالقياس إنما هو لظهور مقدماتها ولكثرة اعتياد القوة المميزة لتمييز هذه المعاني. فهي في حال ورود الصورة عليها قد أدركت جميع المعاني التي فيها. وإذا أدركت القوة المميزة جميع المعاني التي في الصورة فهي تتميز لها في حال إدراكها. وإذا تميزت لها جميع المعاني التي في الصورة فقد أدركت نتائج تلك المعاني في حال تمييزها.