الصفحة 83 من 245

وكذلك جميع المقاييس التي مقدماتها الكلية ظاهرة ومستقرة في النفس ليس تحتاج القوة المميزة في إدراك نتائجها إلى زمان مقتدر، بل في حال فهمها للمقدمة قد فهمت النتيجة. مثال ذلك لو طرق سمع سامع صحيح التمييز قول قائل هذا الشخص كاتب لكان ذلك السامع يدرك في الحال مع نفس فهمه لهذا اللفظ أن ذلك الشخص الذي سمع بصفته هو إنسان، وإن لم ير ذلك الشخص، ومن غير توقف ولا زمان مقتدر. وليس إدراكه لأن الشخص الكاتب إنسان إلا بالمقدمة الكلية وهي أن كل كاتب إنسان. فمن استقرار هذه المقدمة في النفس وظهورها عند القوة المميزة صار السامع متى سمع بالمقدمة الجزئية التي هي هذا الشخص كاتب فهم في الحال أن ذلك الشخص إنسان. وكذلك إن قال قائل ما أمضى هذا السيف فإن السامع المميز إذا سمع هذا اللفظ فهم في الحال أن ذلك السيف المشار إليه حديد. وليس إدراكه بأن ذلك السيف حديد إلا بالمقدمة الكلية التي هي كل سيف ماض فهو حديد.

وكذلك جميع المقاييس التي مقدماتها ظاهرة ومستقرة في النفس وحاضرة للذكر تدرك القوة المميزة نتائجها في حال استماعها للمقدمة الجزئية وفي زمان في غاية الصغر، ولا يكون بين الآن الذي يقع فيه فهم المقدمة الجزئية وبين الآن الذي تدرك فيه القوة المميزة النتيجة زمان ظاهر المقدار. والعلة في ذلك أن القوة المميزة ليس تقيس بترتيب وتأليف وبتكرير المقدمات كما يكون في ترتيب القياس باللفظ. وذلك أن القياس المنتج ليس يكون قياسًا في اللفظ إلا بترتيب المقدمات، ومثاله هذا الشخص كاتب وكل كاتب إنسان فهذا الشخص إنسان. فبهذا الترتيب صار اللفظ قياسًا وأنتجت النتيجة. ولو لم يرتب اللفظ هذا الترتيب لما أنتجت النتيجة. وليس كذلك قياس القوة المميزة، لأن القوة المميزة تدرك النتيجة من غير حاجة إلى اللفظ ومن غير حاجة إلى تكرير المقدمة وترتيبها ومن غير حاجة إلى تكرير اللفظ وترتيبه.

وترتيب لفظ القياس هو صفة كيفية إدراك التمييز للنتيجة، وإدراك التمييز للنتيجة ليس يحتاج إلى نعت الكيفية وإلى ترتيب كيفية الإدراك. فالقوة المميزة إذا أدركت المقدمة الجزئية، وكانت ذاكرة للمقدمة الكلية، فإنها في حال فهمها للمقدمة الجزئية قد فهمت النتيجة، لا في زمان له قدر يعتد به، بل في أقل القليل من الزمان، وإذا كانت المقدمة الكلية ظاهرة ند القوة المميزة.

فالمعاني المبصرة التي تدرك بالقياس يكون إدراك أكثرها إدراكًا في غاية السرعة. ولا يظهر في أكثر الأحوال أن إدراكها بالقياس والتمييز لسرعة إدراكها، وسرعة إدراكها إنما هو لظهور مقدماتها وكثرة اعتياد القوة المميزة لتمييزها. وأيضًا فإن المعاني المبصرة التي تدرك بالقياس والتمييز إذا تكرر إدراكها بالقياس وفهمت القوة المميزة معانيها، وصار إدراك القوة المميزة لها، إذا وردت عليها من بعد استقرار فهمها، بالمعرفة من غير حاجة إلى أن تستقرئ جميع المعاني التي فيها، بل تدركها بالأمارات، وتصير تلك النتيجة من جملة المعاني التي تدرك لا باستئناف التمييز والقياس واستقراء جميع المعاني التي فيها. ومثال ذلك الكلمة الغريبة المكتوبة إذا وردت على الكاتب ولم تكن وردت عليه من قبل ولا ورد عليه مثلها. فليس يدركها إلا بعد أن يستقرئ حرفها حرفًا حرفًا. ثم إذا أدركها وفهمها وغابت عنه ثم أدركها ثانية وهو ذاكر لها، فإنه يدركها في الثاني أسرع مما أدركها في الأول. ثم إذا تكرر إدراكه لتلك الكلمة مرات كثيرة استقرت صورة تلك الكلمة في نفسه وصار إدراكه لها من بعد ذلك بالمعرفة، وفي حال ملاحظته لها قد أدركها من غير حاجة إلى استئناف تمييزها واستقراء جميع حروفها حرفًا حرفًا، بل يدركها في حال ملاحظته لها كما ذكرنا ويدرك صورة ابجد وكما يدرك الكلمات التي يعرفها.

وكذلك جميع المعاني المبصرة التي تدرك بالقياس إذا تكرر إدراك البصر لها صار إدراكه لها بالمعرفة من غير استئناف القياس الذي به أدرك صحتها، وكذلك جميع المعاني التي تدرك بالقياس إذا كانت مقدماتها ظاهرة ونتائجها صادقة. فإنه إذا فهمت النفس النتيجة بالقياس واستقرت صحتها في الوهم ثم تكرر ذلك المعنى على النفس مرات كثيرة صارت النتيجة بمنزلة المقدمة الظاهرة فتصير متى وردت القضية على النفس حكم التمييز بالنتيجة من غير حاجة إلى استئناف القياس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت