وكثير من المعاني التي ليس إدراك التمييز لصحتها إلا بالقياس يظن بها أنها علوم أول وأنها تدرك بفطرة العقل وليس إدراكها بقياس. ومثال ذلك آن الكل اعظم من الجزء يسمى علمًا أول ويظن أنه يحكم بصحته بفطرة العقل وليس إدراك صحته بقياس لسرعة قبول الفهم ولن التمييز لا يشك فيه في وقت من الأوقات. والكل اعظم من الجزء ليس يدرك إلا بقياس ولا طريق إلى إدراك صحته إلا بالقياس لان التمييز لا طريق له إلى إدراك أن الكل أعظم من الجزء إلا بعد فهمه لمعنى الكل وفهمه لمعنى الجزء وفهمه لمعنى أعظم. لأنه لم يفهم التمييز معاني أجزاء اللفظ يفهم معنى جملة اللفظ. ومعنى الكل إنما هو الجملة ومعنى الجزء إنما هو البعض والأعظم إنما هو مضاف إلى غيره ومعنى الأعظم هو الذي يساوي الغير الذي هو مضاف إليه ببعضه ويزيد عليه بالباقي.ومن انطباق معنى الأعظم في الزيادة على معنى الكل في الزيادة ظهر أن الكل أعظم من الجزء. فمن فهم القوة المميزة لمعنى الكل ولمعنى الجزء ولمعنى الأعظم، ومن إدراكها لاتفاق معنى الكل ومعنى الأعظم في الزيادة، أدركت أن الكل اعظم من الجزء. وإذا كان إدراكها لأن الكل أعظم من الجزء إنما هو بهذه الطريقة فإدراكها له إنما هو بقياس لا بفطرة العقل. والذي هو في فطرة العقل إنما هو إدراكه لاتفاق معنى الكل ومعنى الأعظم في الزيادة فقط.وهذا المعنى هو المقدمة الكلية التي أنتجت النتيجة، وفي حال ملاحظة العقر لهذا المعنى قد فهم النتيجة، فالكل أعظم من الجزء هو نتيجة قياس هذا المعنى مقدمته الكلية.
وترتيب هذا القياس في اللفظ هو أن الكل يزيد على الجزء، وكلما يزيد على غيره فهو أعظم منه، فالكل أعظم من الجزء. فالقياس يترتب في اللفظ على هذه الصفة. وإدراك القوة المميزة لهذا المعنى بالقياس إنما هو من إدراكها لأن معنى الكل ومعنى اعظم متفقان في الزيادة، وسرعة إدراكها للنتيجة إنما هو لأن المقدمة الكلية ظاهرة. فإدراك القوة المميزة لأن الكل أعظم من الجزء هو بقياس ولكن مقدمته الكلية ظاهرة عندها فهي تدرك نتيجتها في حال ورود المقدمة الجزئية وفي حال فهمها لها، والمقدمة الجزئية هو معنى الكل في زيادته على الجزء. ولاستقرار صدق هذا القياس في النفس وصحتها في الفهم وحضورها للذكر صارت متى وردت القضية قبلها العقل من غير استئناف قياس بل من معرفته بها فقط.
وكلما كان من هذا الجنس من العلوم فإنه يسمى علمًا أول ويظن به أنه يدرك بمجرد العقل وليس يحتاج في إدراك صحته إلى قياس. والعلة في ذلك أنه يدرك بالبديهة في حال وروده على العقل، وهو إنما يدرك بالبديهة بالمعرفة لاستقرار صحته في النفس ولذكر النفس له ولصحته ولمعرفة النفس بالقضية عند ورودها، فقبول العقل لما وصفته من العلوم بالبديهة إنما هو بالمعرفة، وإدراك صحته إنما هو لاستقرار صحته في النفس، وصحته إنما استقرت في النفس بالقياس وبتمييز مقدماته وفهم معانيها.
فالمقاييس التي مقدماتها الكلية ظاهرة ومستقرة في النفس تدرك القوة المميزة نتائجها في حال فهمها للمقدمة الجزئية وفي زمان غير محسوس. ثم إذا تكرر القياس الذي بهذه الصفة واستقرت صحة النتيجة في النفس، صارت النتيجة بمنزلة المقدمة الظاهرة، وصارت المقدمة الجزئية بمنزلة المقدمة الكلية في الظهور، وصارت القوة المميزة متى وردت عليها المقدمة الجزئية أدركت النتيجة بالمعرفة من غير استئناف للقياس الأول الذي به أدركت تلك النتيجة ومن غير تمييز لكيفية الإدراك. وعلى هذه الصفة يكون إدراك القوة المميزة لأكثر المعاني المدركة بالقياس من المعاني المبصرة في حال إدراكها للصورة وفي زمان غير محسوس. ثم إذا تكرر ذلك المعنى على البصر واستمر إدراكه له،واستقر فهم القوة المميزة لذلك المعنى بالمعرفة وفي حال ورود ذلك المعنى وبالأمارات، من غير استئناف للقياس الأول الذي يستقرئ فيه جميع المعاني التي في الصورة.