الصفحة 85 من 245

وأيضًا فإن المعاني المبصرة التي تدرك بالقياس والمعاني التي تدرك بالمعرفة ليس تظهر في أكثر الأحوال كيفيات إدراكها في حال إدراكها، لأن إدراكها في غاية السرعة ولأن إدراك كيفية الإدراك إنما يكون بقياس ثان غير القياس الذي وقع به الإبصار. والقوة المميزة ليس تستعمل هذا القياس الثاني في الوقت الذي تدرك فيه معنى من المعاني المبصرة، ولا تميز كيف أدركت ذلك المعنى، ولا تقدر على هذه الحال لسرعة إدراكها للمعاني المدركة بالمعرفة ولسرعة إدراكها للمعاني المدركة بالقياس الذي مقدماته ظاهرة ومستقرة في النفس. وكذلك جميع المعني المدركة بالمعرفة وجميع المعاني المدركة بالقياس الذي مقدماته ظاهرة ومستقرة في النفس وإدراكها في غاية السرعة ليس يظهر في حال إدراكها كيفية إدراكها، لأن كيفية الإدراك ليس يدرك إلا بقياس ثان وليس تستعمل القوة المميزة هذا القياس الثاني في حال إدراك المعاني التي إدراكها في غاية السرعة وبالمعرفة. ولهذه العلة صار كثير من القضايا الصادقة التي تدرك بالمعرفة، وأصل استقرار صحتها بالقياس، لا يحس بكيفية إدراك صحتها في حال ورودها، لأن القوة المميزة إذا وردت عليها هذه المعاني فهي تحكم بصحتها بمعرفتها ولاستقرار صحتها عندها، وفي حال معرفتها ليس تبحث عن كيف كان استقرار صحتها في الأول، ولا تبحث عن كيفية إدراكها لصحتها في حال ورودها ومعرفتها، ولا متى استقرت صحتها عندها.

وأيضًا فإن القياس الثاني الذي به تدرك القوة المميزة كيفية إدراكها لما تدركه ليس هو قياسًا في غاية السرعة بل يحتاج إلى فضل تأمل. لأن الإدراكات تختلف فمنها ما يكون بفطرة العقل، ومنها ما يكون بالمعرفة، ومنها ما يكون بفضل تمييز وتأمل. فإدراك كيفية الإدراك، وأي هذه الإدراكات هو، ليس يكون إلا بقياس بفضل تأمل وتمييز، لا قياسًا في غاية السرعة. فالقوة المميزة إذا أدركت معنى من المعاني بالمعرفة أو بقياس في غاية السرعة فليس تدرك كيفية ذلك الإدراك في حال الإدراك. ولهذه العلة ليس يظهر في أكثر الأحوال كيفية إدراك المعاني المبصرة التي تدرك بالقياس في حال إدراكها.

وأيضًا فإن الإنسان مطبوع على التمييز والقياس، فهو يميز ويقيس الشيء بالشيء دائماَ بالطبع بغير تكلف ولا فكر. والإنسان إنما يحس بأنه يقيس إذا تكلف القياس واستعمل الفكر وتمحل المقدمات. فأما إذا لم يستعمل الفكر ولم يتمحل المقدمات ولم يتكلف القياس فليس يحس بأنه يقيس.فالمقاييس المألوفة التي مقدماتها ظاهرة وليس تحتاج إلى تكلف قياس هي في طبيعة الإنسان، فليس يحس الإنسان في حال ما يدركه من نتائجها أن إدراك تلك المعاني بقياس. والذي يدل دليلًا ظاهرًا على أن الإنسان مطبوع على القياس وانه يقيس ولا يحس في الحال أنه يقيس، ويدرك كثيرًا من الأشياء بالقياس ولا يحس في الحال أن إدراكه لها بالقياس، هو ما يظهر في الأطفال في أول نشأتهم: فإن الطفل في أول نشوه وعند أول تنبهه قد يدرك أشياء كثيرة مما يدركها الكامل التمييز ويفعل كثيرًا من الأفعال بالتمييز ومن قياس الأشياء بعضها ببعض. فمن ذلك أن الطفل الذي ليس في غاية الطفولية ولا كامل التمييز إذا عرض عليه شيئان من جنس واحد، كتحفتين أو ثوبين أو شيئين من الأشياء التي ترغب فيها الأطفال، وخير بين ذينك الشيئين، وكان أحد ذينك الشيئين حسن الصورة وكان الآخر قبيح الصورة، فإنه يختار الحسن وينفي القبيح إذا كان منتبهًا ولم يكن في غاية الطفولية. وإذا خير أيضًا بين شيئين من جنس واحد، وكانا جميعًا حسنين، وكان أحدهما أحسن من الآخر، فربما اختار الأحسن، وإذا كان الآخر حسنًا، إذا كان منتبهًا. وليس اختيار الطفل للشيء الحسن على القبيح إلا بقياس أحدهما بالآخر. وإدراكه حسن الحسن وقبح القبيح وإيثاره الحسن على القبيح، وكذلك إذا اختار الأحسن على ما هو دونه في الحسن، فليس يختاره إلا بعد أن يقيس أحدهما بالآخر ويدرك صورة كل واحد منهما ويدرك زيادة حسن الحسن على ما هو دونه في الحسن ويؤثر الزائد الحسن.وليس إيثاره الأحسن إلا بالمقدمة الكلية، وهي أن الأحسن أخير والأخير أولى أن يختار. فهو يستعمل هذه المقدمة ولا يحس أنه قد استعملها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت