الصفحة 86 من 245

فإذا تؤملت أفعال الأطفال وجد فيها كثير من المعاني التي لا تتم إلا بتمييز وقياس ما. وإذا كان ذلك كذلك فالطفل إذن يقيس ويميز. ولا خلاف ولا شبهة في آن الطفل لا يعرف معنى القياس ولا يعلم ما هو القياس، ولا يحس في حال ما يقيس انه يقيس، ولو أفهم أيضًا معنى القياس لم يفهمه. فإذا كان الطفل يقيس وهو لا يعلم ما القياس فالنفس الإنسانية إذن مطبوعة على القياس، وهي تقيس أبدًا وتدرك جميع ما يدرك بالقياس من المعاني المحسوسة ومن المعاني الظاهرة في أكثر الأحوال بغير تكلف ولا تعمّل، ولا يحس الإنسان في الحال عند إدراك ما هذه صفته أن إدراكه إنما هو بقياس. إلا أن المعاني التي تدرك بالقياس على هذه الصفة إنما هي المعاني الظاهرة التي مقدماتها في غاية الظهور وتدرك باليسير من القياس وفي أقل القليل من الزمان. فإما المعاني التي مقدماتها ليست بكل الظاهرة ومقاييسها تحتاج إلى فضل تكلف، فإن الإنسان إذا أدركها ربما أحس في الحال إن إدراكها إنما هو بالقياس إذا كان صحيح التمييز وكان يعرف معنى القياس.

فقد تبين من جميع ما شرحناه أن المعاني التي تدرك بحاسة البصر منها ما يدرك بمجرد الإحساس ومنها ما يدرك بالمعرفة ومنها ما يدرك بتمييز وقياس يزيد على المعرفة، وان الذي يدرك بتمييز وقياس يزيد على المعرفة إذا تكرر إدراك البصر له واستقر فهمه في النفس صار إدراكه من بعد ذلك بالمعرفة، وان كيفية إدراك المعاني الجزئية المدركة بحاسة البصر ليس تظهر في اكثر الأحوال لسرعة ما تدرك بالمعرفة ولسرعة القياس الذي تدرك به المعاني المبصرة في أكثر الأحوال، ولأن القوة المميزة مطبوعة على هذه المقاييس وليس استعمالها لها بالفكر والتكلف بل بالطبع والعادة.

وأيضًا فإن الإنسان منذ طفوليته ومنذ مبدأ منشئه وعلى مرور الزمان يدرك المبصرات ويتكرر عليه إدراك المبصرات، فليس شيء من المعاني الجزئية التي تدرك بحاسة البصر إلا وقد تكرر إدراك البصر لها. فقد صارت جميع المعاني الجزئية التي تدرك بالقياس مفهومة عند القوة المميزة ومستقرة في النفس، فقد صارت القوة المميزة تدرك جميع المعاني الجزئية التي تتكرر في المبصرات بالمعرفة وبالعادة وليس تحتاج إلى استئناف قياس في إدراك شيء من المعاني الجزئية التي تتكرر في المبصرات.

وأيضًا فإن المعاني التي تتكرر في المبصرات وتدرك بالتمييز والقياس تستقر معانيها في النفس من حيث لا يحس الإنسان باستقرارها ولا يكون لاستقرارها ابتداء محسوس، لن الإنسان منذ طفوليته فيه بعض التمييز، وخاصة التمييز الذي تدرك به المعاني المحسوسة، فهو يدرك المعاني المحسوسة بالتمييز والقياس، ويكتسب معرفة المعاني المحسوسة، وتتكرر عليه المعاني المحسوسة على استمرار الزمان فتستقر معانيها في نفسه من حيث لا يحس باستقرارها، فيصير المعنى الجزئي الذي أدركه بالتمييز والقياس ثم استقر في نفسه بكثرة تكرره في المبصرات إذا ورد عليه أدركه في حال وروده بالمعرفة، ومع ذلك لا يحس بكيفية إدراكه، ولا يحس أيضًا بكيفية معرفته ولا كيف استقرت معرفة ذلك المعنى في نفسه. فجميع المعاني الجزئية التي تدرك بقياس وتمييز وتتكرر في المبصرات قد أدركها الإنسان على مر الزمان وحصلت معانيها مستقرة في النفس وصار لكل معنى من المعاني الجزئية صورة كلية مستقرة في النفس، فهو يدرك هذه المعاني من المبصرات بالمعرفة وبالعادة ومن غير استئناف للتمييز والقياس الذي أدرك حقيقة ذلك المعنى، ومن غير إدراك لكيفية إدراكه في حال إدراكه، ومن غير إدراك لكيفية معرفته في حال معرفته، وليس يبقى شيء يحتاج إلى استئناف قياس وتمييز يزيد على المعرفة إلا المعاني الجزئية التي في الأشخاص الجزئية، كشكل في مبصر معين أو وضع مبصر معين أو عظم مبصر معين، أو قياس لون في مبصر معين بلون في مبصر معين، أو قياس صورة معينة إلى صورة معينة، وما جرى مجرى ذلك في الأشخاص الجزئية.وعلى هذه الصفات يكون إدراك جميع المعاني الجزئية التي تكون في المبصرات.

وإذ قد تبين جميع ذلك فإنا نشرع الآن في تبيين كيفيات إدراك كل واحد من المعاني الجزئية التي تدرك بحاسة البصر وكيفيات المقاييس التي بها تكتسب القوة المميزة المعاني المدركة بحاسة البصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت