وأيضًا فإن الضوء الذي يرد من المبصر المتلون إلى البصر ليس يرد منفردًا من اللون، وصورة اللون التي ترد من المبصر المتلون إلى البصر ليس ترد من الضوء. وليس ترد صورة الضوء وصورة اللون اللذين في المبصر المتلون إلا ممتزجتين، وليس يدركهما الحاس الأخير إلا ممتزجتين. ومع ذلك فإن الحاس يدرك أن المبصر مضيء وأن الضوء الذي يظهر في المبصر هو غير اللون وأنهما معنيان. وهذا الإدراك هو تمييز، والتمييز هو للقوة المميزة لا للقوة الحساسة، إلا أن هذا المعنى مع إدراك القوة المميزة له قد استقر في النفس وليس يحتاج إلى استئناف تمييز وقياس عند ورود كل صورة، بل كل صورة ممتزجة من الضوء واللون فهو مستقر في النفس أن الضوء الذي فيها هو غير اللون الذي فيها. وإدراك القوة المميزة لأن الضوء العرضي الذي في المبصر المتلون غير اللون الذي فيه من أن المبصر الواحد بعينه قد تختلف عليه الأضواء ويزيد الضوء الذي فيه وينقص ولونه مع لون واحد، وإن كان يختلف إشراق اللون باختلاف الأضواء عليه فجنس اللون ليس يختلف. وأيضًا فإن الضوء العرضي الذي يحصل في المبصر ربما وصل إليه من منفذ أو من باب وإذا سد ذلك المنفذ أو أغلق ذلك الباب أظلم ذلك المبصر ولم يبق فيه شيء من الضوء. فمن إدراك القوة المميزة لاختلاف الأضواء على المبصرات ومن إدراكها لإضاءة المبصر في الأوقات وعدم الضوء منه في بعض الأوقات أدركت أن الألوان التي في المبصرات غير الأضواء التي تعرض فيها. ثم من تكرر هذا المعنى من المبصرات استقر في النفس استقرارًا كليًا أن الألوان التي في المبصرات المتلونة غير الأضواء التي فيها. فالصورة التي يدركها الحاس من المبصر المتلون هي صورة ممتزجة من صورة الضوء وصورة اللون اللذين في المبصر، فهو ضوء متلون، والقوة الميزة تدرك أن اللون الذي فيها هو غير الضوء الذي فيها، وهذا الإدراك هو إدراك بالمعرفة في حال ورود الصورة على الحاس لأنه قد استقر في النفس أن كل صورة ممتزجة من الضوء واللون فإن الضوء الذي فيها هو غير اللون الذي فيها.
وأول ما تدركه القوة المميزة من الصورة المتلونة من المعاني التي تخص الصورة هو مائية اللون. ومائية اللون إنما تدركها القوة المميزة بالمعرفة إذا كان اللون الذي في المبصر من الألوان المألوفة. فإدراك القوة المميزة لمائية اللون بالمعرفة إنما هو من قياسها صورة اللون بالصور التي أدركتها من قبل من اللون الأحمر وأدرك أنه أحمر فإنه إنما يدرك أنه أحمر لأنه يعرفه، ومعرفته به إنما هي من تشبيهه صورته بما قد أدركه من قبل من أمثاله. ولو لم يكن البصر أدرك اللون الأحمر قبل إدراكه اللون الأحمر الأخير لما علم عند إدراك اللون الأحمر الأخير انه أحمر. فإذا كان اللون من الألوان المألوفة فإن البصر يدرك مائيته بالمعرفة، وإذا كان اللون من الألوان الغريبة ولم يكن البصر أدرك مثله من قبل فليس يدرك البصر مائيته. وإذا لم يدرك مائيته ولم يعرفه، فإنه يشبهه بأقرب الألوان التي يعرفها شبهًا به. فأصل إدراك اللون يكون بمجرد الحس، ثم إذا تكرر اللون على البصر صار إدراك البصر له أي لون هو بالمعرفة.
ومائية الضوء أيضًا إنما يدركها البصر بالمعرفة. فإن البصر يعرف ضوء الشمس ويفرق بينه وبين ضوء القمر وبين ضوء النار. وكذلك يعرف ضوء القمر ويعرف ضوء النار. فإدراك البصر لمائية كل واحد من هذه الأضواء إنما هو بالمعرفة.
وكيفية الضوء في القوة والضعف يدركها البصر بالتمييز والقياس ومن قياس صورة الضوء الذي يدركه في الحال بما تقدم من إدراكه له من صور الأضواء.