الصفحة 90 من 245

فالذي يدركه البصر بمجرد الحس هو الضوء بما هو ضوء واللون بما هو لون. ثم جميع ما يدرك بحاسة البصر من بعد الضوء واللون ليس يدرك بمجرد الحس بل يدرك بالتمييز والقياس والمعرفة مع الحس، لن جميع ما يدرك بالتمييز والقياس من المعاني المبصرة إنما يدرك من تمييز المعاني التي في الصورة المحسوسة. وكذلك ما يدرك بالمعرفة ليس يدرك إلا من إدراك الأمارات التي في الصورة المحسوسة. فالمعاني التي تدرك بالتمييز والقياس والمعرفة من المعاني المبصرة إنما تدرك مع الإحساس بالصورة. والضوء الذي في الجسم المضيء من ذاته يدركه البصر على ما هو عليه وعلى انفراده من نفس الإحساس، والضوء واللون اللذان في الجسم المتلون المضيء بضوء عرضي يدركهما البصر معًا وممتزجتين ويدركهما بمجرد الإحساس. فالضوء الذاتي يدركه الحاس من إضاءة الجسم الحاس، واللون يدركه الحاس من تغير صورة الجسم الحاس وتلونه مع إدراكه لإضاءة الجسم الحاس بالضوء العرضي الممازج لذلك اللون . فالحاس يدرك من الجسم الحاس عند حصول صورة اللون فيه ضوءًا متلونًا، ويدركه عند حصول صورة الضوء الذاتي فيه ضوءًا مجردًا. وهذان المعنيان فقط هما اللذان يدركهما البصر بمجرد الإحساس.

وأيضًا فإننا نقول إن إدراك اللون بما هو لون يكون قبل إدراك مائية اللون، أعني أن البصر يدرك اللون ويحس أنه لون ويعلم الناظر إليه أنه لون قبل أن يحس أي لون هو. وذلك انه في حال حصول الصورة في البصر قد تلون البصر ، فإذا تلون البصر أحس أنه متلون، وإذا أحس بأنه متلون فقد أحس باللون. ثم من تمييز اللون وقياسه بالألوان التي قد عرفها البصر يدرك مائية اللون، فيكون إدراك اللون بما هو لون قبل إدراك مائية اللون، ويكون إدراك مائية اللون بالمعرفة. والذي يدل على أن ابصر يدرك اللون بما هو لون قبل أن يدرك أي لون هو، هو المبصرات التي ألوانها قوية كالكحلي والخمري والمسني وما أشبه ذلك إذ كانت في موضع مغدر ولم يكن الموضع شديد الغدرة. فإن البصر إذا أدرك اللون من هذه الألوان في الموضع المغدر فإنما يدركه لونًا مظلمًا فقط ويحس أنه لون ولا يتميز له أي لون هو في أول إدراكه. فإذا كان الموضع ليس بشديد الغدرة فإن البصر إذا تأمل ذلك اللون فضل تأمل أدرك أي لون هو. وإن قوي الضوء في ذلك الموضع تميز للبصر أي لون هو ذلك اللون. فيتبين من هذا الاعتبار أن البصر يدرك اللون بما هو لون قبل أن يدرك أي لون هو.

والذي يدركه البصر من اللون في أول حصوله في البصر هو التلون. والتلون هو ظلمة ما، أو كالظل إذا كان اللون رقيقًا. فإن كان المبصر ذا ألوان مختلفة فإن أول ما يدرك البصر من صورته هو ظلمة أجزاؤها مختلفة الكيفية في القوة والضعف، وكالأظلال المختلفة في القوة والضعف. فأول ما يدركه البصر من صورة اللون هو تغير العضو الحاس وتلونه الذي هو ظلمة أو ما يجري مجرى الظلمة. ثم يميز الحاس ذلك التلون، فإذا كان المبصر مضيئًا تميز للبصر ذلك اللون وأدرك أمثالها دائمًا فإنه يدرك مائيته في أقل القليل من الزمان وفي الآن الثاني الذي ليس بينه وبين الآن الأول الذي أدرك فيه اللون بما هو لون زمان محسوس. وإن كان من الألوان المشتبهة التي لم يدرك البصر أمثالها من قبل إلا يسيرًا، أو كان في موضع مغدر ضعيف الضوء، فليس يدرك البصر مائيته إلا في زمان محسوس. وإن كان المبصر مظلمًا وليس فيه إلا ضوء يسير، كالذي يدرك في الليل وفي الغلس وفي المواضع المغدرة الشديدة الغدرة، فإن الحاس إذا ميز اللون الذي يدركه في هذه المواضع لم يتميز له ولم يحصل له منه إلا ظلمة فقط. فيتبين من إدراك الألوان في المواضع المغدرة أن إدراك اللون بما هو لون قبل إدراك مائيته، ويخفى أن إدراك مائية اللون يكون بعد التمييز ومن بعد إدراك الألوان المشرقة المألوفة في المواضع المضيئة.

ومما يدل أيضًا على أن البصر يدرك اللون بما هو لون قبل أن يدرك أي لون هو الألوان الغريبة. فأن البصر إذا أدرك لونًا غريبًا لم ير مثله من قبل، فإنه يدرك انه لون ومع ذلك لا يعلم أي لون هو، وإذا تأمله فضل تأمل شبهه بأقرب الألوان التي يعرفها شبهًا به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت