الصفحة 91 من 245

فمن الاعتبار بأمثال المبصرات التي وصفناها يتبين بيانًا واضحًا أن إدراك البصر للون بما هو لون يكون قبل إدراك مائية اللون، ويتبين أيضًا من هذه الاعتبارات أن إدراك مائية اللون إنما يكون بالتمييز وتشبيه اللون بما قد عرفه البصر من الألوان. وإذا كان ذلك كذلك فمائية اللون ليس تدرك إلا بالتمييز والقياس والمعرفة. وكذلك الضوء ليس تدرك مائيته وليس تدرك كيفيته في القوة والضعف إلا بالتمييز والقياس والمعرفة. فالذي يدركه البصر بمجرد الحس إنما هو اللون بما هو لون والضوء بما هو ضوء فقط، وما سوى ذلك ليس يدرك بمجرد الحسن وليس يدرك ما سوى هذين المعنيين إلا بالتمييز والقياس والمعرفة. والضوء واللون المضيء هو أول ما يدركه البصر من الصورة، ثم ما سوى ذلك يدرك من بعد إدراك اللون المضيء أو الضوء المجرد.

وأيضًا فإننا نقول إن إدراك مائية اللون ليست تكون إلا في زمان. وذلك أن إدراك مائية اللون ليس تكون إلا بالتمييز والتشبيه، والتمييز ليس يكون إلا في زمان، فإدراك مائية اللون ليس يكون إلا في زمان. والذي يدل دليلًا ظاهرًا يشهد به الحس على أن إدراك مائية اللون ليس يكون إلا في زمان ما يظهر في الدوامة عند حركتها. فإن الدوامة إذا كان فيها أصباغ مختلفة، وكانت تلك الأصباغ خطوطًا ممتدة من وسط سطحها الظاهر وما يلي عنقها إلى نهاية محيطها، ثم أديرت الدوامة بحركة شديدة فإنها تتحرك على الاستدارة حركة في غاية السرعة.

وفي حال حركتها إذا تأملها الناظر فإنه يدرك لونًا واحدًا مخالفًا لجميع الألوان التي فيها كأنه مركب من جميع ألوان تلك الخطوط، ولا يدرك تخطيطها ولا اختلاف ألوانها، ويدرك مع ذلك كأنها ساكنة إذا كانت حركتها شديدة السرعة. وإذا كانت الدوامة تتحرك حركة سريعة فإن كل نقطة منها ليس تثبت في موضع واحد زمانًا محسوسًا وهي تقطع في أقل القليل من الزمان جميع الدائرة التي تدور عليها، فتحصل صورة النقطة في البصر على محيط دائرة في البصر في أقل القليل من الزمان. فالبصر إنما يدرك لون تلك النقطة في أقل القليل من الزمان من جميع محيط الدائرة التي تحصل في البصر، فيدرك لون تلك النقطة في أقل القليل من الزمان مستديرًا. وكذلك جميع النقط التي في سطح الدوامة يدرك البصر لون كل واحد منها على جميع محيط الدائرة التي تتحرك عليها تلك النقطة في أقل القليل من الزمان. وجميع النقط التي أبعادها من المركز متساوية تتحرك عند استدارة الدوامة على محيط دائرة واحدة. فيعرض من ذلك أن يظهر لون كل نقطة من النقط التي أبعادها من المركز متساوية على محيط دائرة واحدة بعينها في أقل القليل من الزمان الذي هو زمان الدورة وهو زمان واحد بعينه، فتظهر ألوان جميع تلك النقط في جميع محيط تلك الدائرة ممتزجة ولا تتميز للبصر، وكذلك يدرك لون سطح الدوامة لونًا واحدًا ممتزجًا من جميع الألوان التي في سطحها.

فلو كان البصر يدرك مائية اللون في آن واحد في كل آن من الآنات التي في الزمان الذي تتحرك فيه الدوامة لأدرك مائيات جميع الألوان التي في الدوامة متميزة في حال حركتها. لأنه إذا كان لا يحتاج في إدراك مائيتها إلى زمان فإنه يدرك مائياتها وهي متحركة في جزء من زمان الدورة كما يدرك مائياتها وهي ساكنة، لأن مائيات جميع ألوان المبصرات المألوفة في حال سكونها وفي حال حركتها هي واحدة لا تتغير. ففي كل آن من الآنات التي يتحرك فيها المبصر يكون لونه واحدًا لا يتغير، وتكون مائيات ألوان المبصرات في الآن الواحد وفي الزمان الممتد واحدة لا تتغير، وإذا لم يكن الزمان متفاوت الطول. فإذا كان البصر ليس يدرك الألوان التي تكون في سطح الدوامة إذا كانت الدوامة متحركة حركة سريعة، وهو يدركها إذا كانت الدوامة ساكنة وإذا كانت متحركة حركة بطيئة، فالبصر إذن ليس يدرك مائية اللون غلا إذا كان اللون ثابتًا في موضع واحد زمانًا محسوسًا، أو كان متحركًا في زمان محسوس مسافةً لا يؤثر مقدارها في وضع ذلك اللون من البصر تأثيرًا متفاوتًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت