الناس يثبتونه بآرائهم وظنهم، وكل موكول إلى الناس رهينة ضياع، وما ينقم على أهل البدع إلا أنهم اتخذوا الدين رأيا وليس الرأي ثقة ولا حتما، ولم يتجاوز الرأي منزلة الشك والظن إلا قريبا، ولم يبلغ أن يكون يقينا ولا ثبتا ولستم سامعين أحدا يقول لأمر قد استيقنه وعلمه: أرى أنه كذا وكذا، فلا أجد أحدا أشد استخفافا بدينه ممن اتخذ رأيه ورأي الرجال دينا مفروضا.
-قال أبو عمر: إلى هذا المعنى -والله أعلم- أشار مصعب الزبيري في قوله:
فأترك ما علمت لرأي غيري وليس الرأي كالعلم اليقين
وهي أبيات كثيرة أنشدها مصعب.
-ثم ذكر ابن أبي خيثمة أنها شعره. وسنذكر الأبيات بتمامها في باب ما تكره فيه المناظرة والجدال من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، ولا أعلم بين متقدمي علماء هذه الأمة وسلفها خلافا أن الرأي ليس بعلم حقيقة وأفضل ما روي عنهم في الرأي أنهم قالوا: نعم وزير العلم الرأي الحسن1.
-وقالوا: أبقى الكتاب موضعا للسنة، وأبقت السنة موضعا للرأي الحسن2.
"وأما أصول العلم"فالكتاب والسنة وتنقسم السنة قسمين:
أحدهما: إجماع تنقله الكافة عن الكافة، فهذا من الحجج القاطعة للأعذار إذا لم يوجد هناك خلاف، ومَن رد إجماعهم فقد رد نصا من نصوص الله يجب استتابته عليه وإراقة دمه إن لم يتب لخروجه عما أجمع عليه المسلمون وسلوكه غير سبيل جميعهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 روى ابن بطة في الإبانة"223"1/ 348، وابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص57، عن مجاهد: أفضل العبادة حسن الرأي -يعني: السنة- وسيأتي برقم"854"تخريجه إن شاء الله.
2 رواه البيهقي، عن مالك، قال: قال ربيعة: أنزل الله كتابه على نبيه -صلى الله عليه وسلم- وترك فيه موضعا لسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-, وسن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السنن وترك فيها موضعا للرأي، انظر نصب الراية 4/ 63، ومفتاح الجنة ص42.