قال وهب بن منبه لما استخلف قينان بعد أبيه أنوش ظهر بين الناس بالعدل وسار سيرة حسنة ثم تزوج بامرأة يقال لها عطنوك فحملت منه بولد ذكر فلما وضعته سمته مهلائيل فانتقل النور الى جبهته. ثم ان قينان مرض مرض الموت فسلم ابنه مهلائيل التابوت والصحف واستخلفه من بعده. ثم مات مهلائيل وانتقل النور الى ابنه يرد ثم مات يرد فانتقل النور الى ولده أخنوخ وهو ادريس عليه السلام قال وهب ابن منبه ما سمى ادريس الا لكثرة دراسته في الصحف قال ابن عباس بعث الله ادريس الى بنى قابيل وكانوا يعبدون الاصنام وحادوا عن توحيد الله تعالى واتخذوا لهم خمسة أصنام يعبدونها من دون الله وهى ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر التى ذكرها الله في القرآن العظيم فلما تزايد في أمرهم بعث الله اليهم ادريس عليه السلام فكان يدعوهم في الجمعة ثلاثة أيام وكان ادريس عنده شدة بأس وصلابة في أمره ونهيه وهو أول من خط بالقلم وأول من كتب الصحف وأول من نظر في علم النجوم والحساب وهو أول من خاط الثياب ولبس المخيط وكان اذا خاط يسبح الله عند كل غرزة من الأبرة فاذا غفل وخاط يفتق ما خاطه بغير تسبيح وكان لا يأكل الا من كسب يده وكان يخيط للناس بالاجرة وهو أول من صنع المكيال. قيل قبل زمن ادريس كان الناس يلبسون الاردية بغير خياطة فلما صنع ادريس الخياطة وخاط استحسن الناس ذلك ولبسوا المخيط ثم أنزل الله على ادريس ثلاثين صحيفة فكان لا يفتر عن قراءتها ليلا ولا نهارا وكانت الملائكة تأتى لمصافحة ادريس وكان يرفع كل يوم لادريس من العبادة بقدر ما يرفع لغيره من كل الناس حتى تعجبت منه الملائكة وحسده ابليس اللعين على ذلك ولم ير له عليه سبيلا ويروى ان ملك الموت استأذن ربه بأن يزور ادريس فأذن له في زيارته فأتى اليه في صورة رجل فقال له ادريس من أنت أيها الرجل فقال له أنا ملك الموت استأذنت ربى في زيارتك فأذن لى في ذلك فقال له ادريس ان لى اليك حاجة قال وما هى قال أن تقبض روحى في هذه الساعة فقال له ملك الموت ان ربى لم يأذن لى بذلك فأوحى الله الى ملك الموت انى علمت ما في نفس عبدى ادريس فاقبض روحه فقبضها في الحال ثم ان الله تعالى أحياه في الحال فقال ياملك الموت بقى لى حاجة أخرى فقال ما هى قال ادريس أن تمضى بى الى جهنم لأنظر أهوالها فأذن الله له بذلك فحمله ملك الموت وأتى به الى مالك خازن النار فأوحى الله الى مالك خازن النار بان أوقف عبدى ادريس على شفير جهنم لينظر ما فيها فلما وقف ادريس ونظر غشى عليه من أهوالها فجاء اليه ملك الموت واحتمله الى مكانه الذى أخذ منه فصار ادريس من ذلك اليوم لا تكتحل عينه بمنام ولا يهنأ بطعام ولا بشراب ولا يقر له قرار من الهول الذى رآه في النار. ثم ان ادريس انعكف على عبادة الله تعالى وتزوج بامرأة فحملت منه بولد ذكر فلما وضعته سماه متوشلخ وانتقل النور الذى كان في جبهة ادريس الى جبهة ابنه متوشلخ فلما كبر عهد اليه ادريس وسلمه الصحف والسمط والتابوت وأوصاه بقراءة الصحف ولزوم الصلاة وقال له يابنى انى صاعد الى السماء ولا أعلم هل أرجع أم لا فاقبل منى ما أوصيتك به ثم ان ادريس دخل الى محرابه وسأل الله أن يريه الجنة كما أراه النار فأوحى الله الى رضوان خازن الجنان بان يدلى الى ادريس غصنا من أغصان الجنة فأدلى له رضوان غصنا من أغصان شجرة طوبى فتعلق به وصعد الى السماء فأدخله رضوان الجنة فرأى ما فيها من النعيم فلما أطال ادريس الجلوس في الجنة قال له رضوان اخرج فقد نظرت الجنة وما فيها فقال له ادريس ما أنا بخارج منها وقد قال الله تعالى (كل نفس ذائقةُ الموت) وقد ذقته وقال تعالى (وان منكم إلا واردها) وقد وردتها وقال تعالى (وماهم منها بمخرجين) فما أنا بخارج منها فأوحى الله تعالى الى رضوان قل لعبدى ادريس لا يخرج منها أبدا قال وهب بن منبه رفع ادريس الى السماء وهو ابن ثلاثمائة وخمس وستين سنة. قال ابن الجوزى ان ادريس وعيسى ابن مريم حيان في السماء ادريس في السماء الرابعة تارة يعبد الله في السماء وتارة يتنعم في الجنة قال الله تعالى (واذكر في الكتاب ادريس انه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا) قال الكسائى لما رفع ادريس الى السماء وعلمت الملائكة أنه لا يبرح منها قالت الملائكة إلهنا وسيدنا ومولانا كان لهذا العبد الخاطئ أن يسير في مقام