والقوم على حالهم وكانوا كلما سمعوا صوت نوح عليه السلام يضعون أصابعهم في آذانهم كما أخبر الله العظيم في القرآن الكريم وكان قومه يجمعون له الحجارة فوق الاسطحة فاذا مر عليهم يرمونه بها فيغشى عليه فيظنون أنه قد مات فكانت الطيور تروح عليه بأجنحتها اذا غشى عليه فيفيق فلا زال كذلك حتى مر عليه ستة قرون ودخل في القرن السابع وهلك الملك توبين واستخلف من بعده ابنه طغردوس فكان أشد طغيانا من أبيه فصار كلما يدعوهم يرمونه بالحجارة كما تقدم ثم أوحى الله تعالى الى نوح انه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في بطون النساء مؤمن يجيب دعوتك وقد أعقمهم الله تعالى فعند ذلك دعا عليهم نوح بأن الله لا يبقى أحدا منهم كما أخبر الله تعالى عنه بقوله (رب لاتذر على الأرض من الكافرين ديارا انك أن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفارا) فانفتحت أبواب السماء لدعوته وهاجت عندها الملائكة. قال فعند ذلك أوحى الله اليه أن اصنع الفلك الآية فقال نوح يا رب وما الفلك قال هو بيت من الخشب يجري على وجه الارض فأمره الله أن يغرس في الأرض خشب الساج وقيل هو الآبنوس وأمره أن يغرسه بأرض الكوفة فغرسه فاقام أربعين سنة حتى أدرك وأمر السماء أن تمنع القطر وأمر الأرض أن تمنع النبات ففى تلك المدة لم ينزل من السماء قطرة ولم يخرج من الأرض عشبة ولم تلد امرأة ولا بهيمة ولا وحش ولم يفرخ طير وذلك لاقامة الحجة على الناس قبل نزول العذاب فأمر الله نوحا عليه السلام أن يتوجه الى الكوفة وينقل خشب الساج فبقى نوح متحيرا كيف ينقل الخشب فأوحى الله إليه أن عوج بن عنق يحمل ذلك. قال الكسائى ان عنق أم عوج كانت من أولاد آدم وكانت شنيعة المنظر قبيحة الشكل وكانت ساحرة ماهرة فولدت عوجا ثم ماتت بعد ولادتها بمائة سنة فلما كبر عوج كان عظيم الخلقة طوله ستمائة ذراع بالذراع القديم وهو ذراع ونصف الآن وكان عرضه مثل ذلك حتى قيل انه لما جاء الطوفان لم يجاوز الى ركبته وكان اذا جلس على الجبل يمد يده الى البحر فيأخذ منه السمك ويشويه غى عين الشمس وكان اذا غضب على أهل قرية يبول عليهم فيغرقهم. وقيل انه سلط على أهل قرية فقالوا له نحن نكسوك قميصا ولا نأخذ منك ثمنه إلا بعد سنة فتخارج أهل تلك القرية وصنعوا له قميصا من القطن فألبسوه اياه فمضى عنهم فكان كلما قصد أن يمر عليهم يذكر ما عليه من الدين فيرجع عنهم ولا يدخل إليهم خوفا من الدين ويروى أن عوج بن عنق عاش من العمر أربعة آلاف سنة وخمسمائة سنة وأدرك أيام موسى فلما دخل موسى الى التيه ومعه بنو اسرائيل قصد عوج أن يهلكهم فجاء الى جيش موسى لأجل أن يعرف مقدارهم فوجدهم فرسخا في فرسخ فمضى إلى جبل وقلعة من الأرض واحتمله على رأسه وجاء ليقلبه على جيش موسى فأرسل الله اليه هدهدا وجعل له منقارا من حديد فنزل ذلك الهدهد على تلك الصخرة وجعل ينقرها حتى ثقبها فنزلت في عنق عوج فصارت غلاله لا يستطيع الحركة فلما رأى موسى ذلك أتى اليه وضربه بعصاه وكان طولها عشرة أذرع ووثب موسى في الهواء عشرة أذرع وكان طول موسى عشرة أذرع فلم تبلغ ضربته ساق عوج فلما ضربه موسى خر عوج ميتا وصار ملقى في الفلاة كالجبل العظيم ويروى أن ببلاد التتر نهرا يسمى الطائى وعليه قنطرة عظيمة فيقال ان تلك القنطرة من عظم ضلع عوج بن عنق وكان من جملة عجائب الدنيا قال الكسائى فلما أوحى الله الى نوح بأن الذى يحمل له الخشب عوج من الكوفة الى أرض الحيرة وكانت الحيرة قرية من بغداد جاء نوح الى عوج وسأله أن يحمل له الخشب فقال عوج لا أحمل ذلك لك حتى تشبعنى من الخبز وكان مع نوح ثلاثة أرغفة من خبز الشعير فقدم الى عوج قرصا منها وقال له كل فضحك عوج من ذلك وقال لو أن مثل هذا الجبل خبزا ما أشبعنى فكيف أشبع بهذا القرص فكسر له نوح ذلك القرص وقال له قل بسم الله الرحمن الرحيم وكل فأكل القرص وقدم له قرصا ثانيا فشبع من نصف الثانى ولم يقدر أن يأكل شيئا بعد ذلك فحمل عوج ذلك الخشب من الكوفة الى الحيرة جميعه في نقلة واحدة فلما صار الخشب عند نوح قال يارب وكيف أصنع هذه السفينة فأوحى الله تعالى الى جبرائيل أن يعلمه كيف يصنع السفينة فكان نوح يصنع الخشب ألواحا ويلصق بعضها ببعض ويسمره بالمسامير الحديد ثم جعل رأسها كرأس الطاووس وذنبها كذنب الديك ومنقارها كمنقار البازى وأجنحتها