قولًا ثقيلًا إلا لأنه قول آخر غير قول البشر، ويُلْقى بطريقة خاصة حتى تكاد فخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تَرُضَّ رِجْلَ كاتب الوحي، وتضع الناقة له جِرانها، ويتفصد له جبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - عرقًا، فالثقل المراد قد يكون في العملية التلقينية الأولى بين جبريل - عليه السلام - والنبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يكون ميسرًا بعد ذلك على الألسنة، وقد يكون الثقل هو في القيام به، وتطبيق معناه، وقد يكون الثقل بالنظر إلى أنه كلام الجبار العظيم - عز وجل - كيف يطيق المخلوق حمله، أو فهمه ... لا شك أن حدوث ذلك يدل على تيسير عظيم ... مع أن عظمة كلام الله - سبحانه وتعالى - تجعله ثقيلًا على المخلوق ... لكن الله - عز وجل - يسره، وبهذا يُجمع بين آية المزمل وغيرها كآية الدخان، وآية القمر.
3 -التكلف الطَبَعي في حفظ الوحي: والبند السابق كان يتكلم عن التكلف غير الطبعي، وهنا الإشارة إلى التكلف الطبعي الذي كان في ابتداء الوحي، وقد وصفه ابن عباس - رضي الله عنه - بقوله: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك به لسانه، وكان ذلك يعرف منه ... الحديث [1] .
فقوله (كان مما يحرك به لسانه) أي كان كثيرًا يفعل ذلك، وكرر (كان) لطول الكلام، (يعالج) المعالجة المحاولة للشيء، والمشقة في تحصيله، وكان ذلك يعرف منه، أي يعرفه من رآه لما يظهر على وجهه وبدنه من أثره [2] .
4 -تلقي الوحي القرآني تلقي استماع لصوت متكلم بأحرف: إذ الوحي القرآني ليس إلقاء محضًا فجائيًا في النفس (كالإلهام) ، بل حركة وصوت مقطع حرفًا حرفًا متتابع على هيئة التعليم، ويدل له صريحًا قوله - سبحانه وتعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} "القيامة/16" {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} "طه/114" {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} "النجم/5"، وفي لفظ للبيهقي لحديث الحارث ابن هشام (فيعلمني) [3] ، وهي تطبيق واقعي
(1) يأتي تفصيله إن شاء الله في المبحث الخامس من هذا الفصل.
(2) انظر: (السيوطي) أبوالفضل جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (849 - 911 هـ) : الديباج على صحيح مسلم 2/ 158 مراجعة: أبو إسحاق الحويني الأثري، دار ابن عفان - الخبر- السعودية.
(3) وقال ابن حجر في فتح الباري 1/ 18، مرجع سابق:"هي تصحيف"، مع أنها لا تستبعد كما هو واضح.