لحقيقة {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} "النجم/5"، ويدل لها قوله في الرواية المشهورة (فيكلمني) وعند أحمد (فيخبرني) [1] ، ولذا كان النبي
-صلى الله عليه وسلم - يحرك شفتيه عند تلقي الوحي القرآني، وما ذاك إلا لمتابعة الحرف الحرف [2] ، كما يدل له: حديث ابن عباس - رضي الله عنه - في قصة عثمان بن مظعون، وفيه: (إذ شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببصره إلى السماء، فنظر ساعة إلى السماء، فأخذ يضع بصره، حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، وأخذ ينفض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له .. ) [3] ، وفي حديث المعالجة [4] ، وحديث المعارضة [5] من البحث ما يزيد ذا الكلام تفصيلًا.
5 -جمع القرآن في صدره - صلى الله عليه وسلم: إذ الوحي القرآني كله إنزال على القلب، ولما في قوله تعالى {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} "القيامة/17"ويرتبط بهذه الحقيقة مفهومان:
الأول: أن ذلك لا ينافي أن تعليم جبريل - عليه السلام - هو إقراء لكلمات من حروف متتابعة، وتقدم في البند السابق.
الثاني: أنه لم ينزل من القرآن الكريم شيء فيلقيه إليه الملَك وهو على صورة الرجل على مجيئه الأسهل [6] ، بل جاء على الصورة الأشد، وهذه حقيقة لم تُعَر كبير اهتمام لتقريرها، ولا في تقريرها، لعل ذلك لأنها بدهية قرآنية، ومن أدلتها:
1 - {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} "البقرة/97"، فهذا عام في كل أنواع الموحَى به من قرآن وغيره، وإن كان جل المفسرين يذهب
(1) أحمد 6/ 163، مرجع سابق.
(2) وانظر الدلالة الثالثة من بند المعاناة في المبحث الخامس، من هذا الفصل.
(3) سبق تخريجه في المبحث الأول من الفصل الثالث.
(4) انظر: المبحث السادس من هذا الفصل.
(5) انظر: المبحث التاسع من هذا الفصل.
(6) وصرح صاحب التحرير والتنوير 19/ 189، مرجع سابق أن حديث الحارث خاص بوحي القرآن.