فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 360

فالجواب: تظهر حكمةٌ بالغةٌ من التعبير عن قراءة جبريل - عليه السلام - على النبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظ {قَرَأْنَاهُ} ؛ إذ لم يقل قرأه جبريل - عليه السلام -، وذلك ليكون من قبيل إسناد ما هو للمأمور للآمر [1] ، فقوله:" {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} أي إذا قرأه جبريل - عليه السلام - عنا فأسندت القراءة إلى ضمير الجلالة على طريقة المجاز العقلي والقرنية واضحة" [2] ... نفيًا لأي حدسٍ، أو تخمينٍ، أو بارقةٍ تتلجلج في الصدور عن عدم إتقان جبريل - عليه السلام - للقراءة كما أرادها الله - سبحانه وتعالى - من حيث هيئاتها الصوتية المصاحبة (الداخلية والمشتركة) [3] فضلًا عن الألفاظ في ذاتها فأوجز لنا في {قَرَأْنَاهُ} إخباره - عز وجل - بإزالة دخل شيطانٍ قد يطرأ عند تحليل الموقف القرآني بين جبريل - عليه السلام - والنبي - صلى الله عليه وسلم - إذ كان القارئ هو الله - سبحانه وتعالى - بإسناد القراءة إليه ... ويُقَرِّبُ هذا بأن يقال: كأن أداء جبريل - عليه السلام - لألفاظ القرآن الكريم عبارة عن مسجلةٍ تعيد ما تكلم الله - عز وجل - به، وجبريل - عليه السلام - كأنه مسجل يعيد ما تكلم الله -تعالى ذكره- به ... دون زلل أو خطل في أدق الهيئات الأدائية للحرف فيما خلا الصفة الإلهية المنزهة عن التمثيل والتخيل ... فيقرأه جبريل - عليه السلام - كما نقله عن الله -تعالى ذكره- كما تنقل المسجلة، فجعل الله -تعالى ذكره- إقراء جبريل - عليه السلام - على النبي - صلى الله عليه وسلم - إقراء من الله -تعالى ذكره- لنبيه - صلى الله عليه وسلم - لشدة دقة جبريل - عليه السلام - في بيانه للأحرف؛ إذ هو الواسطة بين الله ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ينقله كما أقرأه الله - عز وجل - له تمامًا لكل حرف، وأحسن تفصيلًا لكل كلمة.

وفي هذا يقول ابن كثير:"وأن ييسره على الوجه الذي ألقاه إليه" [4] ، وقال الزمخشري:"جعل قراءة جبريل - عليه السلام - قراءته" [5] ، وقال الآلوسي:"أتممنا قراءته عليك بلسان جبريل - عليه السلام - المبلغ عنا" [6] ، وفي

(1) حاشية الصاوي، وبهامشه تفسير الجلالين 3/ 354، مرجع سابق.

(2) انظر: التحرير والتنوير 29/ 349، مرجع سابق.

(3) المراد بالمشترَكة الصوت المصاحب للحرف عند التقائه حرفًا آخر في كلمته أوفي كلمة أخرى، كالإدغام مثلًا.

(4) ابن كثير 4/ 383، مرجع سابق.

(5) الكشاف 4/ 165، مرجع سابق.

(6) روح المعاني 29/ 117، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت