الظاهر أن ذلك بحسب حالة الطالب من حيث اطمئنان شيخه لقدرته على إعادة المقروء باقتدار أو عدم قدرته، وأما أن جبريل - عليه السلام - لم يكن يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - لصريح قول ابن عباس - رضي الله عنه: فإذا انطلق جبريل - عليه السلام - قرأه كما قرأه ... فالجواب من وجهين:
أولهما: لا نُسَلِّم أن جبريل - عليه السلام - لا يسمع لعدم إحاطتنا علمًا بقدرة جبريل - عليه السلام - على السماع من حيث تعديها لمكان حضوره أولًا.
وثانيهما: أن ذلك كائنٌ لضمان الله - سبحانه وتعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إعادة المقروء كما قرأه عليه جبريل - عليه السلام -، ومن هنا أُخذ نظر الشيخ في مدى مقدرة الطالب ... فلولا وعد الله - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بقراءته على لسانه كما قرأه لما انصرف، ثم إن الوحي يحميه ظاهرًا كان أو غائبًا، وبذلك يخضع الأمر الواجب في هذه المسألة لمعرفة الشيخ.
وهل يشترط أداء هذه القواعد كلها في التلقي والتلقين؟ الظاهر عدم الاشتراط للأول؛ إذا استبدل به قراءة الطالب على شيخه، إما ابتداء، وإما حفظًا مباشرًا عن ظهر قلب، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (الطالب) كان يعرض القرآن على جبريل - عليه السلام - في رمضان، وأما قراءة جبريل - عليه السلام - في أول نزول الآيات فسببه عدم معرفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بها ابتداء؛ ولذلك عامل العلماء قراءة العالم معاملة عرض الطالب كما سيأتي تفصيله في حديث المعارضة [1] ، وقد يترجح أحدهما (السماع من لفظ الشيخ، أو عرض الطالب على الشيخ) لعارض يراه الشيخ في تلميذه من نجابة أو بلادة ... وهو المعمول به عند المسلمين إلى اليوم.
وهاهنا مسألة في غاية الأهمية من ناحية دراسة وسائل المعرفة المُكْسِبَة لليقين في المنهج الإسلامي وهي: أن ثَمَّ نوعًا من التواتر الذي يفيد اليقين الضروري أو النظري، وهو التواتر العملي بأن يتناقل المسلمون العمل في العبادة جيلًا جيلًا دون نكير، فيأخذ حكم المتواتر، ولو كان مستنده آحادًا كأركان الصلاة ومقادير الزكاة، وألفاظ الأذان، ورمي الجمار
(1) انظر: المبحث التاسع من هذا الفصل.