عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ فتكفل سبحانه بجمع لفظ القرآن وهيئة أدائه في صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - (الحفظ) ، وبأن يقرأه بعد كما سمعه من جبريل - عليه السلام - أصلًا وأداء، والاختلاف كائنٌ في الصوت فحسب، إذ صوت جبريل - عليه السلام - يختلف عن صوته - صلى الله عليه وسلم -، ونفَسُه يختلف عن نَفَسهِ.
وأُكِد شمولُ هذا الوعد لأصل اللفظ ولأدائه بقوله - سبحانه وتعالى - {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} "القيامة /19"، والبيان هو إظهار الكلمة حرفًا حرفًا، دون دمجٍ، أو تداخل فلذا يُسَمَّى (الإظهار) -وهو حكمٌ من أحكام النون والميم الساكنتين في علم التجويد- البيان لأن فيه تبيين للنون والحرف الذي بعدها دون إخفاءٍ، أو قلبٍ، أو إدغامٍ، وتقدم الكلام عن ذلك [1] .
والصورة التطبيقية لهذا عبر عنها ابن عباس - رضي الله عنه - بقوله: (فإذا انطلق جبريل - عليه السلام - قرأه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قرأه [كما وعده الله] [2] .
والضمير في قوله {فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ} لجبريل - عليه السلام - والتقدير: فإذا انتهت قراءة جبريل - عليه السلام - فأقرأ أنت، وتقدم تفصيل ذلك في المبحث السابع من هذا الفصل.
10 -قراءته - صلى الله عليه وسلم - على الناس كما أقرأه جبريل - عليه السلام - من حيث أصلُ اللفظ وأداؤه: ويختلف عن البند السابق في أنه أخص منه مطلقًا من حيث أنه مأمورٌ بتلاوته على الناس لقوله - سبحانه وتعالى - { ... لأُنْذِرَكُمْ بِهِ ... } "الأنعام/19"، وقوله: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ... } "النمل/91"، والسابق أعم من حيث أنه يقرؤه لنفسه أو للناس.
وإنما أُفْرِدت هذه النقطة بالذكر مع دخولها فيما سبق لأهميتها في إحداث اليقين القطعي بحقيقة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ ألفاظ كما أقرأه جبريل - عليه السلام - لا يَخْرِمُ منها حرفًا، ولا هيئةً لعموم قول ابن عباس - رضي الله عنه: (كما
(1) انظر: حديث المعالجة في المبحث السادس من هذا الفصل ص113.
(2) صحيح البخاري 1/ 6، مرجع سابق.