فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 360

غالبًا ... فقد ضمن الله - عز وجل - للقرآن حفظه: كتابةً بالقلم، وأداءً بالصوت الذي حُفِظَتْ حروفه في أدق صفاتها ومخارجها من حيث مقاطعُ الأداء (أماكن الخروج) وما يصاحبه من غنةٍ، أو مدٍ، أو ترقيقٍ، أو تفخيمٍ، أو استعلاءٍ، أو استفالٍ ... كما حُفِظَتْ أماكن الوقف والابتداء، والسكتات الواجبة والجائزة ... .

فحفظ الله -تعالى ذكره- ألفاظ القرآن في هذه الأمة بالأدوات الواقعية الإنسانية التي تتسم بأعلى قواعد الحفظ، وأدق مقاييس الضبط.

ولا يعترض معترضٌ على هذه النتيجة الحتمية بأنها منخرمةٌ بما يُشاهد من اختلاف أداء القرآن، لأنه هذا الاختلاف مرده إلى أمورٍ خارجيةٍ أخرى كالاختلاف الفطري في أصوات الناس، والاختلافِ النفسي من حيث التذوق لنغمة التصويت، والاختلافِ العقلي من حيث تقدير البطء والسرعة ... وهذا كله لا يقدح في التوقيف في الأداء، حذوَ التوقيف في الصلاة، إذ لا جدال في أنها عبادةٌ توقيفية، وترى الاختلاف فيها واردًا من حيث البطء والسرعة في أداء أركانها ... وما يشبه ذلك مما يرجع إلى البشر.

وهذه، وما سبقها توطئةٌ لإثبات ما هو عند المسلمين بَدَهي من أن هيئة قراءة القرآن صفةٌ ذاتيةٌ للفظ، وليست صفةً عارضة، أو أمرًا تتميميًا [1] ، كما أن في هذا التقرير إشارةٌ إلى منبع الوهم الزاعم عدم تواتر أوجه الأداء، وهو ما صرح به ابن الحاجب وابن خلدون -رحمهما الله تعالى- [2] ... وحسب ذا القول أن يكون مناقضًا للمقتضى اللغوي لمادة

(1) فتبيين الحروف هو ما يعبر عنه علماء التجويد بقولهم: إخراج الحرف من مخرجه مع إعطائه حقه ومستحقه، إذ منعه من الصفات الذاتية إعدامٌ لذاته، كمن أراد إخراج الدال غير مجهورةٍ فهو مُخْرِجُها تاءً، ومنعه من الصفات العارضة هضمٌ له وعدم بيانٍ لحقيقته، وإزراءٍ به يستنكره أهل اللغة كإنسانٍ بدون ساترٍ له من ملبس، والإعراب النحوي من صفاته العارضة، فهذا هو المقياس في دحر فكر من توسوس له نفسه التهاون في صفات الحروف العارضة، ومن هاهنا يمكن إرساء قاعدة قوية في منع التطوير المزعوم في الأصوات اللغوية العربية، وذلك لوجوب التزام بيان الحرف في القرآن الكريم على ما تلقاه لاحقٌ من سابق.

(2) أما ابن الحاجب: فصرَّح بذلك في مختصر الأصول له، وقد نفى عنه قومٌ ذلك بأن عبارة الاستثناء من التواتر لم ترد في النسخ المشورة من المختصر، وأما ابن خلدون فقد رجح ذلك في المقدمة ص552 - تاريخ ابن خلدون - تأليف: عبد الرحمن بن خلدون ت808 هـ ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس: خليل شحادة - مراجعة الدكتور: سهيل زكار - دار الفكر بيروت الطبعة الثالثة 1417هـ -1996م: حيث قال:"وقد خالف بعض الناس في تواتر طرقها -يريد القراءات -؛ لأنها عندهم كيفياتٌ للأداء، وهو غير منضبطٍ، وأباه الأكثر وقالوا بتواترها، وقال آخرون بتواتر غير الأداء منها كالمد والتسهيل لعدم الوقوف على كيفيته بالسمع وهو الصحيح"ولعله عنى بالبعض الذين رجَّح كلامهم ابن الحاجب فهو عنه ناقلٌ، ولو نفي التواتر عن الأداء كما قيل، لنفاه عن أصل اللفظ، وهو ما لا يقول به ابن الحاجب، ولا يرضاه، وهو الأصولي المقرئ الكبير؛ إذ الأداء يتضمن النطق بأصل اللفظ (وهذا المسمى مخارج الحروف) ، وصفاته الأصلية، ويتضمن الصفات العارضة الناشئة عن الصفات الأصلية، ونفي تواتر الأداء نفي لأصل اللفظ سواءً أُريدَ به المتضَمن الأول أو الثاني، إذ لا يستقيم نفي الصفة العارضة بدون نفي أصلها، ولا تستطيع تصنيف التأني في القراءة صفةً أصلية، فلا جرم أنها إلى الصفات العارضة تنتسب بسببٍ، وأما الأول فأمره بينٌ، وقد تقدم في المتن تحليلٌ، والتكرار هنا هو في أسلوب طرح الكلام ... فكلام ابن الحاجب-رحمه الله تعالى- حال ثبوته عنه، يُشير إلى ما صرَّح به من بعد ابن خلدون من أن المراد هو ما لا يتوقف ضبطه على السمع كمراتب المد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت