وقد ظهر أن من بين الأقوال الخمسة المذكورة في التعليل لاعتكافه عشرين يومًا قولان يرجعان إلى علاقة الاعتكاف بالقرآن الكريم.
وهل كانت المعارضة تتم قبل أن يُفرض صيام رمضان؟ الظاهر من قول ابن عباس - رضي الله عنه: (وكان جبريل - عليه السلام - يلقاه كل ليلةٍ في رمضان حتى ينسلخ [كان يلقاه في كل سنة في رمضان] ) [1] -أن المعارضة كانت تتم في كل رمضان حتى قبل أن يفرض صيامه، ويقوي ذلك رواية (من) ؛ فإن (من) هاهنا إما لابتداء الغاية الزمانية على قول من يجيزها أي من ابتداء شهر رمضان فيه بعد نبوته إلى آخر رمضان قبل وفاته، وفيه إدماج معنى الحرفين في التقدير، أو أن (من) لبيان الجنس فيصدق على جميع رمضانات النبوة [2] .
قال ابن حجر-رحمه الله تعالى-:"وهذا ظاهرٌ في أنه كان يلقاه كذلك في كل رمضان منذ أنزل عليه القرآن، ولا يختص ذلك برمضانات الهجرة، وإن كان صيام شهر رمضان إنما فُرِض بعد الهجرة؛ لأنه كان يسمى رمضان قبل أن يفرض صيامه" [3] .
4 -التركيز في عنصر الوقت لتثبيت ومراجعة لفظ القرآن الكريم: وذلك باعتماد الدرس الليلي: إذ كانت المعارضة تتم ليلًا، ليتم الوصول إلى الكمال في الإحاطة بالدرس القرآني إذ يتم حفظ، أو مراجعة ما يراد تثبيته من الليل، ثم يعقبه نومٌ، ثم تجري مراجعته سحرًا أو بكرة؛ لأنه إذا تساوى زمن الحفظ واليقظة بين التعلم والتذكر؛ فإن زمن النوم أقل ضررًا على الحفظ من زمن اليقظة؛ لعدم التعرض لخبراتٍ جديدة خلال النوم يحصل بسببها النسيان؛ فإن النسيان إنما يحدث من جراء حصول خبراتٍ جديدة، يفسح لها الدماغ مجالًا، فيطمس أشياء قبلها [4] ، ولذا قال ابن حجر-رحمه الله تعالى:"اختيار الليل لأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم، لأن الليل"
(1) صحيح مسلم4/ 1803، مرجع سابق.
(2) انظر: في معاني (من) : مغني اللبيب عن كتب الأعاريب 1/ 319، مرجع سابق.
(3) فتح الباري 4/ 285، مرجع سابق.
(4) المهارات الدراسية ص124 بواسطة: مقال ظاهرة النسيان، مجلة البيان، عدد 105، مرجع سابق.