أهواءهم قبل أعمالهم" [1] ، وقد أورد أبو إسحاق الشاطبي -رحمه الله تعالى- هذا الأثر في معرض الاستدلال [2] ."
والجواب من وجوه:
1.... أن الشأن أولًا في صحة هذا الأثر من حيث السند، ثم من حيث المتن، فأما سنده فمنقطع حيث جاء في الموطأ:
وحدثني عن مالك عن يحيى بن سعيد أن عبد الله بن مسعود، فقد ضَعُفَ من حيث السند.
2.... ومن حيث المتن -على فرض صحة السند واتصاله- فإن نكارة موضع الشاهد منها واضح؛ حيث لم تَرِد في بقية طرق الأثر، فقد ورد في موضعٍ آخر من الموطأ والمعجم الكبير دون موضع الشاهد، كما أنها فاسدةٌ معنى عند أخذها على ظاهرها؛ إذ كيف تحفظ حدود القرآن، وحروفه مضيعة.
فإن اعتُرض بأن روح القرآن باقية -أي مقاصده الكلية- وإن ذهبت ألفاظه.
فالجواب: في إطلاق هذا القول نظر إن أطلقنا القول بضياع حروفه، وهل نعرف روحه دون تأكدنا من حروفه؟، فإن سُلِّم ذلك فمقاصده المزعوم بقاؤها حروفٌ في ذاتها فيعاد الكلام عليها جَذَعَةً.
على أن حروفه تلك:
إما أن تكون متغيرة، وإما أن تكون منعدمة وإما أن تكون قائمةً بالنفس، وإما أن تكون ثابتة:
فالأول: وهو ما كانت حروفه متغيرة لا يعتبر شرعًا صالحًا للبشر لعدم انضباطه، أو ظهور معالمه فضلًا عن أن يكون شرعًا إلهيًا.
(1) (إمام دار الهجرة) أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي ت 179هـ: موطأ الإمام مالك 1/ 173، مراجعة: محمد فؤاد عبد الباقي- دار إحياء التراث العربي، مصر، وقد جاء هذا الحديث مرفوعًا فيما رواه الطبراني في المعجم الكبير 3/ 197، مرجع سابق، عن حزام بن حكيم بن حزام عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنكم قد أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، كثير معطوه، قليل سؤاله، العمل فيه خيرٌ من العلم، وسيأتي زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، كثير سؤاله، قليل معطوه، العلم فيه خير من العمل) .
(2) انظر: الموافقات 2/ 173، مرجع سابق.