والثاني: وهو ما كانت حروفه منعدمةً، أو قائمةً بالنفس فلا يتعلق به حكم؛ لأنه معدوم.
والثالث: متعينٌ بعد ما سبق، وهو المراد.
ولو صح هذا الزعم القائل بأن"الألفاظ مجرد وسائل فلا تقدس في ذاتها، بل الأمر متجه إلى روح القرآن ومقاصده"، لصح أن يقال من بابٍ أولى: فلا داعي لتقديس جميع الوسائل العلمية والعملية في الحياة، فتعطل دراسة اللغة العربية للحجة ذاتها، ومثلها سائر علوم الوسائل، ولا يحتاج لدراسة العلوم الطبية؛ لأن المقصد شفاء المريض! ولا يُدْرَى كيف سيُشفى؟!، ولا داعي لاستخدام أداةٍ لارتقاء السقف؛ لأن الهدف الوصول إلى السقف؟!، ولا تدري كيف سيصل؟!، لتحدث -بعدُ- فوضى ضاربة في الحياة العلمية والعملية.
3.... عند التسليم بصحة موضع الاستشهاد في الحديث، فإن وضعه في موضعه الصحيح هو الحكمة ذاتها ... إذ إن مراد ابن مسعود - رضي الله عنه - منه ترك التعمق في السعي وراء الألفاظ، وحتمية إعطائها القدر المناسب لها دون إيغالٍ شاغلٍ بها عن المراد منها، والنهي عن التنطع، والتعمق ... والنهي عن الإيغال والغلو ليس خاصًا بالوسائل بل هو عام في كل شيء مقاصدًا ووسائلًا ... وذا من بدهيات دلالات سبيل القصد، والوسطية في الشريعة، بل في سائر جوانب الحياة المختلفة [1] ... وهذا الفهم لمنطوق كلام ابن مسعود - رضي الله عنه - هو ما نص على مثله السيوطي -رحمه الله تعالى- في تنوير الحوالك حيث قال:" (قليل قراؤه) أي الخالون من معرفة معانيه، والفقه فيه، (وتضيع حروفه) أي أن المحافظين على حدوده أكثر من المحافظين على التوسع في معرفة أنواع القراءات" [2] .
ومن الأدلة على أن الإمام أبا إسحاق الشاطبي -رحمه الله تعالى- لا يريد ما ذهب إليه هؤلاء، أنه قال -بعد- معددًا القواعد التي تنبني على الأصل الذي ذكره، وورد الاستدلال بكلام ابن مسعود - رضي الله عنه - ضمنه:"اتباع الهوى في الأحكام الشرعية مظنةٌ لأن يحتال بها على أغراضه، فتصير كالآلة المعدة"
(1) انظر: الموافقات 2/ 120، مرجع سابق.
(2) تنوير الحوالك شرح موطأ مالك ص144، مرجع سابق.