فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 360

{تُمَارُونَهُ} [1] من المراء وهي المجادلة، وقراءة {تُمْرُونَهُ} من مراه إذا جحده، كأنه قال: بعضكم يجادله، وبعضكم يجحده، كما هو المعتاد في توزيع الأدوار المخطط أو التلقائي في عالم المعاندين.

فالأظهر أن قوله تعالى {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} "النجم/11"، تدور حول معنيين:

أحدهما: أن هذا ردٌ لتكذيبٍ من المشركين فيما بلغهم من الخبر عن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - الملَك جبريل - عليه السلام -، وهو الذي يؤذن به قوله -بعد- {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} و {ال} في قوله {الْفُؤَاد} عوضٌ عن المضاف إليه، أي فؤاده، وعليه فيكون تفريع الاستفهام في قوله {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} استفهامًا إنكاريًا لأنهم ماروه.

والآخر: أن يكون {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} تأكيدًا لمضمون قوله {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} لرفع احتمال المجاز في تشبيه العرب، أي هو قربٌ حسيٌ، وليس مجرد اتصالٍ روحاني، فيكون الاستفهام في قوله {أفَتُمَارُونَهُ} مستعملًا في الفرض، والتقدير: أفستكذبونه فيما يرى بعينيه، كما كذبتموه فيما بلغكم عن الله - سبحانه وتعالى - [2] .

والمعنى: رآه بعينه، وعرفه بقلبه، ولم يشك في أن ما رآه حق [3] ، ويمكن للباحث أن يقول: إن قراءة التشديد {كَذَّبَ} تفيد يقينه مما رآه،

(1) قرأ (تمارونه) بإثبات الألف أبو عمرو وابن كثير ونافع وابن عامر وأبو جعفر وعاصم من العشرة، والبقية بحذف الألف. انظر: طيبة النشر في القراءات العشر، مرجع سابق، عند قول الناظم في سورة النجم: (تمروا تماروا حبر عم ... نصنا) .

(2) انظر: التحرير والتنوير 26/ 99، مرجع سابق.

(3) انظر: البحر المحيط 8/ 158، مرجع سابق، وقد قيل: إن المرئي هو الله - عز وجل -، ويكفيه ضعفًا حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- المتقدم لفظه في المبحث الأول من الفصل الثالث ص77 وما قبلها-، والحديث في صحيح مسلم 1/ 159، مرجع سابق.

لا جرم أن نقدم خبر عائشة على تأويل ابن عباس؛ فترجيحه ظاهرٌ من حيث أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أما ابن عباس فظاهر كلامه أنه مجرد استنتاج، فتطرق الاحتمال إلى روايات غيرها لا إلى حديثها كما هو ظاهر، وانظر: البحر 8/ 158، مرجع سابق، تفسير ابن كثير 4/ 210، مرجع سابق، وانظر: المبحث الأول في الفصل الثالث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت