وقراءة التخفيف {كَذَبَ} تفيد صدقه فيما نقل [1] ... وفي ذلك تنويهٌ بمدى الدقة، وطمأنينةٌ بحقيقة الواقع المحكي ... وتعدية الفعل بحرف الاستعلاء لتضمنه معنى الغلبة أي: هبكم غالبتموه على عبادتكم الآلهة، وعلى الإعراض عن سماع القرآن، ونحو ذلك، أتغلبونه على ما رأى ببصره [2] ، فهذا المقطع يؤكد تلقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل - عليه السلام - تلقي رؤيةٍ، وتمكنٍ ودقةٍ، لا رؤية قلبٍ، وعينٍ فحسب، وخص الفؤاد؛ لأن رؤية الفؤاد لا يتأتى معها تخيل، بخلاف رؤية العين التي قد تخدع خداع نظر [3] ، وقد تقدم مرارًا [4] أن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل - عليه السلام - وسماعه له حال إلقاء الوحي يكون متصلًا بمركز السمع والبصر في الفؤاد مباشرة.
5 -برؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل - عليه السلام - في صورته التي خلقه الله - عز وجل - عليها عيانًا كما قال - سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفق الْمُبِينِ} "التكوير/23"، وقال: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} "النجم/13": أي إن كنتم تجحدون رؤيته - صلى الله عليه وسلم - لجبريل - عليه السلام - في الأرض، فلقد رآه رؤية أعظم من حين يأتي إليه للوحي إذ رآه في العالم العلوي ... وأكد ذلك بالقسم، فضمير الرفع في رآه عائد إلى صاحبكم، وضمير النصب عائد إلى جبريل - عليه السلام -، وأكد ذلك بقوله مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا
(1) قرأ بالتثقيل هشام عن ابن عامر، وأبو جعفر من العشرة، وبقية العشرة بالتخفيف ... انظر: (ابن الجزري) محمد بن محمد بن محمد بن علي ت 833هـ: طيبة النشر في القراءات العشر ص97، مرجع سابق، عند قول الناظم: (كذب الثقيل لي ثنا) .
(2) انظر: حاشية الصاوي 4/ 175، مرجع سابق، التحرير والتنوير 26/ 99، مرجع سابق، وقيل: إن المراد أمر الإسراء والمعراج، والسياق وسبب السورة يُبعدان ذلك، وتقدم نوع إشارة لذلك، انظر: المبحث الأول من الفصل الثالث ص72.
(3) انظر: ظلال القرآن 6/ 3405، مرجع سابق.
(4) انظر -مثلًا-: المبحث الأول من الفصل الثالث ص77.