المستفاد من النفي والاستثناء، فهو قصر موصوفٍ على صفةٍ، وهو قصرٌ إضافيٌ، أي دون أن نرسل أحدًا منهم في حال الخلو من إلقاء الشيطان ومكره [1] ، والآية مسوقةٌ لتسلية النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن السعي في إبطال الآيات أمر معهود، وأنه لسعي مردود [2] .
ويرى المتأمل في الآية أن هذا التتابع للمؤكدات من أعظم وسائل ترسيخ اليقين بكلام رب العالمين؛ إذ يقع في فؤاد المتحمس استلزام أن تنقطع أفئدة المعاندين عن إظهار العناد على الأقل في كلام الله - سبحانه وتعالى -، إما لضرورة غِيرة الله - سبحانه وتعالى - على كلامه، أو لضآلة مكرهم بالغًا ما بلغ إزاء جبروت الله - عز وجل - ... فتتالت المؤكدات إمعانًا في ترسيخ سنن الله - جل جلاله - الخاصة بهذه الدار التي لا تزن عند الله - سبحانه وتعالى - جناح بعوضة [3] .
ب- الوصف الدقيق لهيئة إفساد الشيطان عقول القوم وقلوبهم عندما يريد الأنبياء إصلاحهم: إذ إن إصلاح الناس أمر عزيزٌ عسير المنال فسماه الله - عز وجل - أمنية [4] ، ثم إن الأنبياء عند ممارسته يضادهم الشيطان في سعيه الحثيث لإعدام الخير، أو الحيلولة بينه وبين الناس يلقي وسوسة في نفوس الناس تفسد محاولة الإصلاح، ورشح استعارة الإلقاء ... -ويكون للأمر المحسوس- للأمر غير المشاهد شِدَّةُ فعله، وقوة تأثيره حتى كأنه أمرٌ محسوسٌ، وتقدير الآية: أدخل الشيطان في نفوس الأقوام ضلالاتٍ تفسد ما قاله الأنبياء من الإرشاد، ومعنى إلقاء الشيطان في أمنية النبي والرسول: إلقاء ما يضادها، كمن يمكر فيلقي السم في الدسم، فإلقاء الشيطان بوسوسته: أن يأمر الناس بالتكذيب والعصيان، ويلقي في قلوب أئمة الكفر مطاعن يبثونها في قومهم، ويروج الشبهات بإلقاء الشكوك التي تصرف نظر العقل عن تذكر البرهان، وذلك هو الصبر على الآلهة المذكور في
(1) التحرير والتنوير 17/ 299، مرجع سابق.
(2) انظر: التحرير والتنوير 17/ 299، مرجع سابق، وروح المعاني 17/ 257، مرجع سابق.
(3) إشارةً إلى الحديث المشهور، أخرجه: البخاري 4/ 1759، مرجع سابق، ومسلم 4/ 2147، مرجع سابق.
(4) عند الآلوسي17/ 257:"التمني نهاية التقدير"، قال:"والأمنية الصورة الحاصلة في النفس من التمني".