قوله - جل جلاله - {وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} "ص/6"، وقال الآلوسي-رحمه الله تعالى-:"إذا قرأ شيئًا من الآيات ألقى الشيطان الشبه والتخيلات فيما يقرؤه النبي - صلى الله عليه وسلم - على أوليائه ليجادلوه بالباطل، ويردوا ما جاء به كما قال - سبحانه وتعالى - { ... وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ... } "الأنعام/121"، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ... } "الأنعام/112" [1] ."
جـ- الإلقاء الشيطاني معنويٌ وليس لفظيًا: وذلك ببث الشبهات، وتضخيم الوساوس، وينفى الإلقاء اللفظي لضعف مقدرة الجن في حالتهم الغيبية عن إظهار ألفاظ يسمعها البشر في الحالات المعتادة [2] ، لا إذا تمثلوا في هيئة إنسية، فإن فعلوا فالإلقاء اللفظي عليهم أعز وأعسر من حيث خضوعهم لقوانين الطبيعة البشرية، وهاهم أشد الناس عنادًا لرسول الله - جل جلاله - لم يستطيعوا فعل ذلك مع حرصهم كل الحرص.
وإذ قد تقرر أن الإلقاء معنويٌ، فلا مكان له في القدرة على الخلط في ألفاظ القرآن، ويُرَشَحُ هذا بقوله - جل جلاله - {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} "الحاقة /44 - 45".
د- الوسائل الوقائية والاجتثاثية لإلقاء الشيطان المعنوي في عقول الناس:
1 -المعية العلمية الإلهية الحاكمة: إذ ليست الساحة للشيطان ليصول فيها كما يشاء، بل وجوده فيها طارئٌ نسبيٌ إذا ما قورن بعلم الله - عز وجل -، ثم إن الأمر كله لله - جل جلاله - فهو بحكمته وتدبيره - سبحانه وتعالى - مَكَّن الشيطان من إلقاء تلك الشبهة، ثم في حكمته في أسلوب إزالة آثاره، ومن هنا يظهر سر التذييل بقوله - عز وجل - {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} "الحج/52"، كما أن إظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار دالٌ على التأكيد على إرادة ذلك، ووصفه - جل جلاله - بوصف (فعيل)
(1) روح المعاني 17/ 257، مرجع سابق.
(2) أما في غير الحالات المعتادة فقد يستطيع الشيطان إسماع الإنسان، انظر: رفاعي سرور: عندما ترعى الذئاب الغنم ص114، ط61412هـ-1992، مكتبة الحرمين للعلوم النافعة.