قال السندي-رحمه الله تعالى-:"ظاهره أن السؤال عن كيفية الوحي نفسه، لا عن كيفية الملك الحامل له، ويدل عليه أول الجواب، لكن آخر الجواب يميل إلى أن المقصود بيان كيفية الملك الحامل، فيقال يلزم من كون الملك في صورة الإنسان كون الوحي في صورة مفهوم مُتَبَيَّن أول الوهلة، فبالنظر إلى هذا اللازم صار بيانًا لكيفية الوحي، فلذلك قوبل بصلصلة الجرس، ويحتمل أن المراد للسؤال عن كيفية الحامل أي كيف يأتيك حامل الوحي" [1] .
ولم تنقله عائشة-رضي الله تعالى عنها-ثم من بعدها إلا لجلالته عندهم، فليست المسألة فضول قول، ونافلة كلم.
وقد قال الواقدي -فيما حكاه عنه ابن سعد-:"حج أمير المؤمنين هارون الرشيد فورد المدينة فقال ليحيى بن خالد: ارتد لي رجلًا عارفًا بالمدينة والمشاهد، وكيف كان نزول جبريل - عليه السلام - على النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن أي وجه كان يأتيه ..." [2] .
وجعل ابن حبان -رحمه الله تعالى-مسألة بدء الوحي وكيفية تلقيه أول أنواع يحتاج إلى معرفتها من أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث قال:"وأما أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - عما احتيج إلى معرفتها، فقد تأملت جوامع فصولها، وأنواع ورودها، لأسهل إدراكها على من رام حفظها، فرأيتها تدور على ثمانين نوعًا: النوع الأول: إخباره - صلى الله عليه وسلم - عن بدء الوحي وكيفيته ..." [3] .
بل هو رأس المفردات الأصولية، ويظهر هذا في صنيع الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه؛ إذ جعل كتاب بدء الوحي أول كتب الصحيح، وإنما فعله دليلًا على المنهج العلمي المسلوك عند المسلمين في عد العلوم النافعة، مما يُطَمْئِنُ إلى صواب هذا الفقه في أهمية موضوع جبريل - عليه السلام -. وفي وصف ابن عباس - رضي الله عنه - لقراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - إثر تعليم جبريل - عليه السلام - له بأنه
(1) (السندي) أبو الحسن نور الدين عبد الهادي ت 1138هـ: حاشية السندي 2/ 150، مراجعة: عبد الفتاح أبو غدة، 1406هـ -1986م، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب.
(2) (ابن سعد) محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري (168هـ - ت 230هـ) : الطبقات الكبرى، دار صادر بيروت.
(3) (ابن حبان) محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي ت354هـ: صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان 1/ 131، مراجعة: شعيب الأرناؤوط، 1399هـ- 1979م، مؤسسة الرسالة، بيروت.