ويبطل الله - سبحانه وتعالى - كيد الشياطين، واستدل ابن القصار على أن الذي أصابه كان من جنس المرض بقوله في آخر الحديث: (أما أنا فقد شفاني الله) ، وفي الاستدلال بذلك نظر لكن يؤيد المدعي أن في رواية عمرة عن عائشة عند البيهقي في الدلائل: (فكان يدور، ولا يدري ما وجعه) ، وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنه - عند ابن سعد: مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخذ عن النساء والطعام والشراب، فهبط عليه ملكان ... لحديث، قال المازري:"أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها، قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع؛ إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل - عليه السلام - وليس هو ثم، وأنه يُوحَى إليه بشيءٍ، ولم يوح إليه بشيء، قال المازري: وهذا كله مردودٌ؛ لأن الدليل قد قام على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن الله - عز وجل -، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطلٌ، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضةٌ لما يعترض البشر كالأمراض، فغير بعيدٍ أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين" [1] .
وقال ابن قتيبة:"وأما قول الله - سبحانه وتعالى - {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} "فصلت/42"فإنه - جل جلاله - لم يرد بالباطل أن المصاحف لا يصيبها ما يصيب سائر الأعلاق والعروض، وإنما أراد أن الشيطان لا يستطيع أن يُدْخِلَ فيه ما ليس منه قبل الوحي وبعده [2] ."
هذا كلام الله الحق ... وذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المبلغ لكلامه ... وذا حفظ الله -تعالى ذكره- لكلامه ... وروح القدس جبريل - عليه السلام - هو الواسطة؟ فأين -في الدنيا- كهذا، وذا، وذا ... ؟
(1) فتح الباري 10/ 227، مرجع سابق.
(2) تأويل مختلف الحديث310، مرجع سابق.