5 -السحر الذي وقع عليه - صلى الله عليه وسلم - تسلط على جسده فقط، كما كانت الحمى تتسلط عليه، والسم الذي سمته به يهود ... وتَسَلُّطِ السحر على جسده ظهر في عدة مظاهر، منها:
أ - كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله: كما في هذه الرواية، وصُرِّح بمدلول ذلك في رواية أخرى للبخاري، ولفظها: (حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن) ، وفي لفظ: (أنه يأتي أهله ولا يأتيهم) [1] ، قال المازري:"وهذا كثيرًا ما يقع تخيله للإنسان في المنام، فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة".
ومعنى (يرى) ، قال الداودي: (يرى) بضم أوله: أي يظن، وقال ابن التين: ضبطت يرى بفتح أوله، وهو من الرأي لا من الرؤية، فيرجع إلى معنى الظن [2] .
ب - التسلط على بصره: ففي مرسل يحيى بن يعمر عند عبد الرزاق: سُحِر النبي - صلى الله عليه وسلم: (حتى أنكر بصره) ، وعنده في مرسل سعيد بن المسيب: (حتى كاد ينكر بصره) [3] . قال عياض -رحمه الله تعالى-:"فظهر بهذا أن السحر إنما تسلط على جسده، وظواهر جوارحه لا على تمييزه ومعتقده" [4] .
جـ - نوع مرضٍ جسدي: فإن صون النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده فقد جاء في الصحيح: (أن شيطانًا أراد أن يفسد عليه صلاته فأمكنه الله - جل جلاله - منه) ، فكذلك السحر لم ينله من ضرره ما يدخل نقصًا على ما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض من ضعفٍ عن الكلام، أو عجزٍ عن بعض الفعل، أو حدوث تخيلٍ لا يستمر، بل يزول
(1) صحيح البخاري 5/ 2175، مرجع سابق.
(2) انظر ما سبق في: فتح الباري 10/ 227، مرجع سابق.
(3) انظر في تخريج الآثار السابقة: فتح الباري 10/ 226، مرجع سابق.
(4) الشفا 2/ 147، مرجع سابق.