حافظته حين القراءة، فلم يبرز إلى النطق به [1] ، وقال القرطبي:"الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك، وما يخفى هو ما نسخ من صدرك" [2] .
وعدم جواز نسيانه على مجموع الأمة، هو ما عبر عنه القرطبي بعدم النسيان الكلي في قوله:"وقيل إلا ما شاء الله أن ينسى، ثم يذكر بعد ذلك، فإذًا قد نسي، ولكنه يتذكر ولا ينسى نسيانًا كليًا" [3] ، وقال عنه الآلوسي:"ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - لا يقر على نسيانه القليل أيضًا، بل يذكره الله تعالى أو يُيَسِّرُ من يُذَكِّرُه، ثم إن المراد من نفي نسيان شيءٍ من القرآن: نفي النسيان التام المستمر مما لا يقر عليه - صلى الله عليه وسلم - [4] ، وقرر الإمام النووي ذلك فقال:"قوله - صلى الله عليه وسلم - (كنت أنسيتها) دليل على جواز النسيان عليه - صلى الله عليه وسلم - فيما قد بَلَّغه إلى الأمة، وقال القاضي عياض:"جمهور المحققين: جواز النسيان عليه ابتداءً، فيما ليس طريقه البلاغ، واختلفوا فيما طريقه البلاغ والتعليم، ولكن من جوَّز قال: لا يُقَر عليه، بل لا بد أن يتذكره، أو يذكره" [5] ،
وقال الإسماعيلي:"النسيان من النبي - صلى الله عليه وسلم - لشيء من القرآن يكون على قسمين:"
أحدهما: نسيانه الذي يتذكره عن قرب، وذلك قائم بالطباع البشرية، وعليه يدل قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - في السهو: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون) [6] ،
(1) انظر: التحرير والتنوير 30/ 282، مرجع سابق.
(2) تفسير القرطبي 20/ 21، وأشار الزمخشري إلى نحو من ذلك 4/ 204، مرجع سابق.
(3) تفسير القرطبي 20/ 19، مرجع سابق، وبهذا التقرير يُجْمَعُ بين الأقوال المختلفة في معنى قوله - جل جلاله: {إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ ... } حال كون هذه الجملة القرآنية تتسع لكل تلك التآويل، وتحتملها من حيث الأصيل الشرعي واللغوي، وبذا لا يكون مبررٌ لاستظهار الإمام الطاهر بن عاشور -رحمه الله تعالى- لكون معنى الاستثناء ينصرف إلى النسخ في التلاوة، انظر: التحرير والتنوير 30/ 280، مرجع سابق. وثَمَّ قولان ضعيفان ذكرهما القرطبي في آخر تأويل هذه الجملة ... 20/ 19، مرجع سابق.
(4) روح المعاني 20/ 190، مرجع سابق.
(5) شرح صحيح مسلم 6/ 323، مرجع سابق.
(6) البخاري 2/ 900، مرجع سابق.