فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 360

أما العاطفة البشرية التي يحتمل اتهام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بها فيمكن أخذ التهمة بالخوف من عدم قبول الكفار لبعض القرآن نموذجًا؛ إذ قد يُتهم بأن ذلك دفعه إلى كتم بعض القرآن، وهو ربما الذي دفع بعض القُصَّاص المتأخرين ليدبجوا مهازيل من الأحاديث بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يود ألا ينزل ما ينفر الكفار منه.

فيؤخذ هذا النموذج في نفي هذه التهمة:

حيث يقول الله - سبحانه وتعالى - {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} "التكوير/24"، وقد ورد في هذه الآية تأويلان بحسب القراءتين الواردتين فيها [1] ، وكل قراءةٍ تتضمن معنىً ثانيًا بحسب النظر إلى حرف الاستعلاء (على) ، فصارت هذه الكلمة نافية لأربعة معانٍ، ترجع إلى الشبهة المذكورة في المطلب بأعظم الأساليب إعجازًا:

فالقراءة الأولى {بِضَنِينٍ} أي ببخيلٍ، بل هو مُبَلِّغٌ الوحيَ كله، و {بِظَنِينٍ} بمتهمٍ، فنفى الله - جل جلاله - عنه النقص، واعتوار الشك في الأمانة، تأكيدًا لقوله {أَمِينٍ} إن كان المراد [2] جبريل - عليه السلام -، وإن كان المراد النبي - صلى الله عليه وسلم - فكذلك، لا يبخل بالوحي، ولا يقصر في التبليغ والتعليم.

أما الصفة الثانية المنفية في قراءة الضاد فهي الحرص، وتلوح من بين ثنايا التعبير عن عدم التقصير بقوله {بِضَنِينٍ} أي ببخيل ... مع أنه أمكن أن يقول بمقصر؛ إذ إن البخيل إنما يبخل بما عنده نظير ما يزعمه مصلحةً له إلى وقت الحاجة، فلو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُصَرِّح لهم بجميع الوحي بقصد المصلحة، فيتأول تأخير بعض الوحي لعدم حلول وقته كالبخيل، ومما يمكن التمثيل به: ما فيه تبكيتٌ لهم، أو توبيخٌ له مما قد يشينه في قلوبهم (كما في سورة عبس) ... ، فقد يقال: للمعرفة بأن المصلحة الدعوية تقتضي كتم هذه الآيات خوف الفتنة-كما يطرأ على تفكير بعض الدعاة- فسيكتمها لذلك بفعل

(1) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب بالظاء، وقرأ الباقون بالضاد. انظر: طيبة النشر، مرجع سابق، عند قول الناظم: (بظنين الظا رغد حبر غنا ... ) .

(2) انظر: تفسير القرطبي 19/ 242، مرجع سابق، فقد ذكر أن أهل التأويل اختلفوا في صاحب هذه الآية {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} جبريل - عليه السلام - أو محمد - صلى الله عليه وسلم -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت