عاطفته البشرية ... ، ولكن الله - جل جلاله - نفى عنه هذه العاطفة القاصرة ... فلا يبخل بالوحي لأجل المصلحة الظاهرة، فكيف لو عدمت؟. سواءً كان هذا تتابعًا في وصف جبريل - عليه السلام - أو كان وصفًا للرسول الجليل - صلى الله عليه وسلم - ... ويؤيد ما قُرِّر هاهنا: أن فعل البخل لا يتعدى بـ {عَلَى} إلا على تضمينه معنى الحرص ونحوه [1] ، ولذا قال ابن زيد في هذه الآية:"الغيب القرآن الذي لم يضن به على أحدٍ من الناس ... أداه وبلغه، بعث الله به الروح الأمين جبريل - عليه السلام - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأدى جبريل - عليه السلام - ما استودعه الله - عز وجل - إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - وأدى محمد - صلى الله عليه وسلم - ما استودعه الله - سبحانه وتعالى - وجبريل - عليه السلام - إلى العباد ليس أحدٌ منهم ضنَّ، ولا كتم، ولا تخرص" [2] .
والقراءة الثانية: {بِظَنِينٍ} بالظاء المشالة معناها: ما هو على الغيب بمتهمٍ، تأكيدًا لقوله {أَمِينٍ} ، والتهمة مطلقةٌ، ونفيها مطلقٌ، فتشمل ما قيل في معنى الظنة به: تقصيرًا، أو ضعف قوةٍ على التبليغ [3] ، فكل ذلك منتفٍ عنه.
والصفة الثانية المنفية بقراءة الظاء هي التجرؤ: حيث يظهر تضمين {بِظَنِينٍ} "بالظاء المشالة"معنى المتجرئ عند عدم الرضا بالقرآن المنزَل، بقرينة قيام {عَلَى} مقام
في، والمعنى: ليس بمتهمٍ في أمر الغيب -وهو الوحي- ولا متجرئٍ عليه، فيقول من عند نفسه شيئًا فيدعي أنه الوحي، بل ما بلغه هو الغيب لا ريب فيه، ولذا فعكسه يتعدى بعلى كقولك: ائتمنه على كذا.
وعلى ما ذكر في تأويل القراءتين لا يظهر مُسَوِّغٌ لترجيح الآلوسي هذه القراءة الأخيرة على الأولى بأنها أنسب بالمقام لاتهام الكفرة له - صلى الله عليه وسلم - [4] ؛ إذ قد ظهر ما في القراءة الأولى من حِكَمٍ بالغةٍ بادي الرأي ... وربما يظهر للمتأمل -بعدُ- أيضًا في هذه، وفي غيرها - ما لا
(1) وهو ما قال به الآلوسي -رحمه الله تعالى-، انظر: روح المعاني 30/ 107، مرجع سابق، ومثله قرر صاحب التحرير والتنوير 30/ 162، مرجع سابق، في إحدى المعاني التي وجه بها الآية.
(2) فيما خرجه ابن جرير في تفسيره عنه 30/ 82، مرجع سابق.
(3) انظر: روح المعاني 30/ 106، مرجع سابق.
(4) روح المعاني 30/ 106، مرجع سابق.