يعترض على هذا البيان بأنه كلام من يريد ركوب صعب دونه قوله - سبحانه وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} "الحجر /9"؛ إذ القرآن أشهر من أن يعرف، والتعريف له تنكيرٌ بل ظلمٌ، واتهامٌ، وطمسٌ بالفم لشعاع الشمس الساطع، وتنطعٌ، قد أتت محذِّرات النهي عنه؛ لأن الباحث إنما عنى صياغة تعريفٍ يُحَدِّد معالم الاتصال بين القرآن الكريم وقراءته باعتبارها وجهه الناطق، ولفظة المسموع، وخطه المكتوب، وصفاته الممثلة لذاته، وأعراضه الناتجة عن صفاته، وقد سبق بين يدي القارئ ذكر لأشهر تعاريف العلماء للقرآن الكريم، وفيها إشارةٌ إلى كيفية صورته اللفظية نطقًا وخطًا بعبارات مختلفة (مثل: النقل، المتواتر وهو يستلزم النقل، المتلقى، المكتوب في الصحف) ، وزاد الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- ذلك تحديدًا، فذكر اشتراطه النقل على الأحرف السبعة المشهورة، وفيه أنه تعريفٌ للأجلى بالأخفى؛ إذ القراءات أشهر من الأحرف السبعة، وأوضح وأكثر ذكرًا لو ذكرها حتى انغرس في ذهن العامة أنها هي القراءات السبعة المشهورة، وفي قول القائل"الأحرف السبعة"في علوم القرآن نوع إبهامٍ ما زال محارةً العلماء إلى يومنا [1] ، ومن ثم فغير سائغٍ أن تكون الأحرف السبعة في قائمة مشخصات القرآن الكريم؛ إذ إن التعبير بقول القائل (بقراءاته المنقولة بين المسلمين تواترًا) أوضح.
(1) والمحارة ليست في مراد الحديث بل في تحديده، أما مراده العام فأوضح من أن يوضح، ولكن تحديد مفهوم العدد في حديث الأحرف السبعة هو المحارة لا تحديد مدلوله العام، وهذا أشبه بمسألة الصفات في علم العقيدة (الإيمان) ؛ إذ مفهومها واضح وإن كان تحديد كيفيتها غير ممكن، ومعلوم أن التشبه لا يقتضي تساوي طرفيه في وجه الشبه، وعلى هذا التفصيل يحمل مراد السيوطي في تصريحه بأن الحديث مشكل في ألفيته في مصطلح الحديث ص32، وابن سعدان النحوي كما ذكره عنه أبو شامة، انظر: (أبو شامة) شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل ابن إبراهيم المقدسي: المرشد الوجيز إلىعلوم تتعلق بالكتاب العزبز، حققه: طيار آلتي قولاج 1395هـ- -1975م، دار صادر، بيروت.
وبناءً على ذلك يمكن القول بقبول التعريف بالأحرف السبعة على إرادة المراد منها بغض النظر عن تحديدها؛ إذ تدخل القراءات فيها دخولًا أوليًا.