فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 360

وهذه الصفة الجليلة لجبريل - عليه السلام - ورد مدحه بها في معرض التأكيد على سلامة نقل القرآن، وبيان خصائص لفظه من سورة الشعراء، وذلك دالٌ على مبلغها من جلالة القدر في نقل القرآن من السماء إلى الأرض، ولعل من أسرارها في هذا الباب أن الروح فيه معنى الحياة والحركة، ويومئ ذلك إلى أن تلقي جبريل - عليه السلام - للقرآن من الله - سبحانه وتعالى - تلقٍ حي لا يعروه شائبة كسل، أو موات؛ إذ كون الناقل مخلوقًا واحدًا وهو جبريل - عليه السلام - مدعاة لأن يشكك في نقله أقوام اعتادوا الجدل وألفوه.

ويزيد هذا المعنى إيضاحًا أن لفظة (روح) لا ترد في القرآن الكريم إلا للأمور التي استأثر الله - عز وجل - بها بأحد أنواع الاستئثار علمًا (كروح الإنسان) ، أو قولًا (كالقرآن) ... ولذا ذكر الله - سبحانه وتعالى - خلق آدم، وعَظَّم خلقه عندما بين أنه نفخ فيه من روحه {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} "ص/72"وهي المنقبة التي يذكرها له الناس يوم القيامة في حديث الشفاعة الكبرى ... وهذا يثبت ما ذُكِرَ من علاقة سلامة نقل القرآن من السماء إلى الأرض، ودقة نقله كما قاله الله - عز وجل -، بوصف جبريل - عليه السلام - بالروح.

كما أن من أهم مقتضيات كونه روحًا: إمكانية الاتصال المطلق، مع خفاء ذلك على من حوله، وذاك يمكنه من المجيء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - دون أن يشعر به أحد، وذلك لأن الروح تطلق على ما خفي [1] .

4 -السرعة والفورية في النزول بالوحي القرآني: حتى لو كان جبريل - عليه السلام - نازلًا بهيئته الشديدة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك عند الاقتضاء إنشاء أو استدراكًا، وهذه الصفة إحدى التطبيقات للصفات الأخرى كالقوة، والأمانة، وليُذكر ها هنا نموذجان عن هذه السرعة من حيث البلاغ العام، والبلاغ القرآني:

فنموذج البلاغ العام: ما قاله صهيب - رضي الله عنه: (يا رسول الله! ما سبقني إليك أحد، وما أخبرك إلا جبريل) [2] . وهذا في الأحداث الواقعية، فكيف يكون

(1) انظر: المبحث الثاني من الفصل الثاني.

(2) المستدرك على الصحيحين3/ 452، مرجع سابق، عن صهيب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرة، فإما أن تكون هجرًا، أو تكون يثرب) . قال: وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وخرج معه أبو بكر - رضي الله عنه -، وكنت قد هممت بالخروج معه فصدني فتيان من قريش فجعلت ليلتي تلك أقوم ولا أقعد فقالوا: قد شغله الله عنكم ببطنه، ولم أكن شاكيًا. فقاموا فلحقني منهم ناس بعدما سرت بريدًا ليردوني، فقلت لهم: هل لكم أن أعطيكم أواقي من ذهب وتخلون سبيلي وتفون لي؟. فتبعتهم إلى مكة فقلت لهم: احفروا تحت أسكفة الباب فإن تحتها الأواق واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين. وخرجت حتى قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يتحول منها -يعني قباء- فلما رآني قال: (يا أبا يحيى ربح البيع) ثلاثًا. فقلت: يا رسول الله! ما سبقني إليك أحد وما أخبرك إلا جبريل - عليه السلام -. وقال الحاكم:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت