فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 360

كما هو أيضًا واسطته إلى غيب خارج ذلك: فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل - عليه السلام - فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي) [1] .

وبناء على أن جبريل هو الوسيط بين الله ورسله: فهل كانت هيئات الوحي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كما كانت إلى الأنبياء السابقين على ما يظهر من قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} "النساء /163"؟ والجواب: لا! فلا ريب في اشتراكهم في أصل الوحي، أما ما بعد ذلك فليس عندنا ما يشير إلى الهيئات التفصيلية لوحي الأنبياء السابقين حتى تتم المقارنة، ولا دليل في الآية على ترجيح أحد الأمرين إذ لو كانت تشبيهًا، فإن التشبيه لا يقتضي أن يكون المشَبَّه مساويًا للمشَبَّه به، وإن كانت إخبارًا فهل المراد التفصيل أو القبيل، ولا دليل ثم على أحدهما، وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، وعلى ضوء هذا التقرير يفهم قول ابن حجر-رحمه الله تعالى- في شرح هذه الآية:"ولما كان في الآية أن الوحي إليه نظير الوحي إلى الأنبياء قبله ناسب تقديم ما يتعلق بها، وهو صفة الوحي، وصفة حامله إشارة إلى أن الوحي إلى الأنبياء لا تباين فيه" [2] .

وإنما أورد هذا الكلام هاهنا لئلا يُفترَض أن القرآن نزل كما نزلت التوراة وحيًا مكتوبًا، لم تحتج إلى تلقين استدلالًا بهذه الآية، فيجاب بما سبق، ويضاف إليه أن ليس ثم تفصيل عن الهيئة التي تم بها إيحاء التوراة بدقة إلا قوله - عز وجل: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ} "الأعراف/145"وهي لا تنفي التلقين صراحة، على أنها تبين المقدار الكبير في التغاير بين إيحاء التوراة والقرآن من حيث أن التوراة كتبت لموسى - عليه السلام - كتابة ولم تتلقن تلقينًا، والقرآن سمي قرآنًا علمًا عليه أشهر من اسم كتاب مع كونه الاسم الثاني له في الشهرة، دلالة على اجتماع القراءة والكتابة

(1) المستدرك 3/ 77، مرجع سابق.

(2) فتح الباري 1/ 5، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت