وتقدم غير بعيد، فسمعت صوتًا، فأردت أن آتيه، ثم ذكرت قوله مكانك حتى آتيك، فلما جاء، قلت: يا رسول الله! الذي سمعت -أو قال-: الصوت الذي سمعت، قال: (وهل سمعت؟ ) قلت: نعم قال: (أتاني جبريل فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة. قلت: وإن فعل كذا وكذا؟ قال: نعم) [1] .
4 -الإطلاق من حيث المكان: وكان يجيئه حيث كان عند اقتضاء المجيء، ووجود الأمر الإلهي بالنزول: فعن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - قال: دخلت المسجد فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خارجًا من المسجد، فاتبعته أمشي وراءه، ولا يشعر حتى دخل نخلًا، فاستقبل القبلة، فسجد فأطال السجود، وأنا وراءه حتى ظننت أن الله - عز وجل - قد توفاه فأقبلت أمشي حتى جئته فطأطأت رأسي أنظر في وجهه، فرفع رأسه، فقال: (ما لك يا عبد الرحمن؟ ) فقلت له: لما أطلت السجود يا رسول الله! خشيت أن يكون الله عز وجل قد توفى نفسك، فجئت أنظر، فقال: (إني لما دخلت النخل لقيت جبريل - عليه السلام - فقال: إني أبشرك أن الله عز وجل يقول: من سلم عليك سلمتُ عليه، ومن صلى عليك صليتُ عليه) [2] .
بل يأتيه إلى أخص أماكنه: فعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رجع يوم الخندق، ووضع السلاح، واغتسل فأتاه جبريل - عليه السلام - وقد عصب رأسه الغبار، فقال: (وضعت السلاح؟ فوالله ما وضعته) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فأين؟. قال: هاهنا، وأومأ إلى بني قريظة) قالت: فخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [3] . وما سبق من أدلة تدل على هذا الإطلاق في المكان، في معسكره، وسفره، قاعدًا أو قائمًا أو مضطجعًا أو مقاتلًا
وبعد: فلا إشكال ولا لبس في حدوث عملية الوحي بين عالم الملائكة متمثلًا بجبريل - عليه السلام - وبين عالم البشر متمثلًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حتى تتلقف من قبل بعض الألسنة بالغمز أو اللمز ... تلك كانت شنشنة المستكبرين من قبل إذ قالوا أَؤُنْزِلَ
(1) صحيح البخاري 2/ 841، مرجع سابق.
(2) سنن البيهقي الكبرى9/ 285، مرجع سابق.
(3) صحيح البخاري 3/ 1035، مرجع سابق.