ولا يستطيع البشر أن يروا الملك إلا إذا تمثل لهم بشرًا، فقرر النووي (في حديث أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- حيث رأت جبريل على صورة دحية) : أن"فيه جواز رؤية البشر غير الأنبياء للملائكة، ووقوع ذلك، ويرونهم على صورة الآدميين؛ لأنهم لا يقوون على رؤيتهم على صورهم" [1] ، ويشير إلى ذلك قوله تعالى {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا} "الأنعام /9"، وأوضح دليل على ذلك: كلام الملائكة مع مريم بنت عمران -عليها السلام- حيث تمثل لها الملك بشرًا سويًا.
3 -الإطلاق من حيث النداء والوقت: فعن أنس - رضي الله عنه: احفظوا هذا فإنه من كنز الحديث، قال: غزا النبي - صلى الله عليه وسلم - فسار ذلك اليوم إلى الليل، فلما كان الليل نزل وعسكر الناس حوله ونام هو، وأبو طلحة زوج أم أنس، وفلان، وفلان، أربعة، فتوسد النبي - صلى الله عليه وسلم - يد راحلته، ثم نام، ونام الأربعة إلى جنبه، فلما ذهب عتمة من الليل، رفعوا رؤوسهم فلم يجدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عند راحلته، فذهبوا يلتمسون النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يلقوه مقبلًا، فقالوا: جعلنا الله فداك، أين كنت؟ فإنا فزعنا لك؛ إذ لم نرك. فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم: (كنت نائمًا حيث رأيتم، فسمعت في نومي دويًا كدوي الرحى، أوهزيزًا كهزيز الرحى، ففزعت في منامي، فوثبت، فمضيت فاستقبلني جبريل فقال: يا محمد! إن الله عز وجل بعثني إليك الساعة لأخيرك، فاختر إما أن يدخل نصف أمتك الجنة، وإما الشفاعة يوم القيامة ... ) الحديث [2] .
ولنداء جبريل - عليه السلام - للنبي - صلى الله عليه وسلم - علامات لا يحس بها الآخرون غالبًا، فإن أحسوا بها كان إحساسًا غير متميز: فعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما أبصر يعني أحدًا قال: (ما أحب أنه يحول لي ذهبًا يمكث عندي منه دينار فوق ثلاث إلا دينارًا أرصده لدين - ثم قال-: إن الأكثرين هم الأقلون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا -وأشار أبو شهاب بين يديه وعن يمينه وعن شماله - وقليل ما هم) وقال: (مكانك)
(1) فتح الباري 4/ 235، مرجع سابق.
(2) المعجم الأوسط 2/ 233، مرجع سابق.