فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 360

وقد عبر أنس - رضي الله عنه - عن الظن بالفعل (نرى) [1] .

وكما رواه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا حوله فقال: (إني مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها) فقال رجل: يا رسول الله! أويأتي الخير بالشر؟ فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقيل له: ما شأنك تكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يكلمك، فرأينا أنه ينزل عليه. قال: فمسح عنه الرحضاء فقال: (أين السائل) ، وكأنه حمده، فقال: (إنه لا يأتي الخير بالشر ... ) الحديث [2] .

ومما يدل على رؤيتهم أو اعتيادهم لبعض العلامات الحسية المصاحبة لمجيء الملَك: علامات الكرب المصاحبة للوحي كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- [3] .

ومن هذه العلامات ما جاء عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من الأحزاب دخل المغتسل ليغتسل، فجاء جبريل - عليه السلام - فقال: أو قد وضعتم السلاح؟، ما وضعنا أسلحتنا بعد. انهد إلى بني قريظة، فقالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: كأني أنظر إلى جبريل - عليه السلام - من خلل الباب قد عصب رأسه من الغبار [4] ، وعن أنس ابن مالك - رضي الله عنه - قال: كأني أنظر إلى غبار ساطع في سكة بني غنم موكب جبريل [5] .

فالأذن المعتادة لا تسمع جبريل - عليه السلام -، والعين المعتادة لا تراه، وذلك لأنه يصل إلى مركز الإبصار، ومركز السمع مباشرة ... ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم: (هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم) فلما أراد جبريل - عليه السلام - أن يعلمهم كان لا بد من أن يتمثل لهم بشرًا تدرك عيونهم صورته، وتدرك أسماعهم صوته.

(1) وهو يدل على الظن حيث كانت القرينة، كما قال تعالى: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا} "المعارج/6"، وهم إنما يظنون ظنًا بدليل قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} "الجاثية/32".

(2) صحيح البخاري 2/ 532، مرجع سابق، وهو يدل على مجيء الوحي غير القرآني شديدًا.

(3) انظر: الفصل الثالث- المبحث الخامس.

(4) مسند الإمام أحمد بن حنبل 131/ 6، مرجع سابق.

(5) صحيح البخاري 3/ 1176، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت