ومن ثم فلا إنكار على سائل على كيفية اتصال الملك بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، للتفاوت في الخِلْقَة بين عالم الملائكة الذين هيأهم الله - سبحانه وتعالى - بقوى بها يكونوا عنده، وبين البشر الذين الذين يضعفون عن مشاهدة عالم الملائكة أو الجن فضلًا عن تحملهم للوحي الإلهي، فاحتاجوا إلى الواسطة لنقل هذا الوحي"ولما كان الوحي ظاهرًا في كونه بواسطة المَلَك، تشوف السامع إلى بيان ذلك؛ لأن ذلك أضخم في حقه - صلى الله عليه وسلم - وأعلى لمقداره" [1] .
فلنتتبع هذا الوصف القرآني [2] لتلقي جبريل - عليه السلام - الوحي القرآني من الله - عز وجل - [3] ، وكيفية نزوله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم:
1 -يسمع من الله - سبحانه وتعالى - جبريل - عليه السلام - الوحي الذي ينزل به: كما في حديث النواس بن سمعان السابق [4] ، وفيه (فينتهي جبريل إلى حيث أُمر من سماء أو أرض) . وجبريل - عليه السلام - هو الذي يُلقي على النبي - صلى الله عليه وسلم - الوحي القرآني، وهو أمين الوحي في السماء والأرض، ورسول الله - عز وجل - إلى رسله من البشر.
2 -وهو معلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذي الصفات البالغة في قدرة حاملها على أداء هذه الرسالة على أتم وجه وأحسنه، فليس مُعَلِّم النبي - صلى الله عليه وسلم - مخلوقًا عاديًا بل لقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - {شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ} "النجم/5 - 6"وقد تقدمت صفاته [5] .
3 -لكن أبرز صفاته التي يشار إليها في هذا المقام -إذ أظهر الغَفَلَةُ تعجبهم من اتصال الملأ الأعلى بالبشر، وسرعة وصول الرسول السماوي إلى الرسول البشري مع وجود هذه المسافات
(1) انظر: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور 19/ 40، مرجع سابق.
(2) ففيه كما قال في التحرير والتنوير (27/ 95) :"تمثيل لأحوال عجيبة بأقرب ما يفهمه الناس؛ لقصد بيان إمكان تلقي الوحي عن الله تعالى؛ إذ كان المشركون يحيلونه، فبين لهم إمكان الوحي بوصف طريق الوحي إجمالًا وهذه كيفية من صور الوحي".
(3) وقد أعرض البحث عن الأقوال الواردة في كيفية تلقي الملك للوحي، لأنها محض تخمين في أمر غيبي، لا يظهر فيه للتحقيق العلمي أثر إلا بالتسليم لظاهر النصوص الدالة على السماع ... .
(4) انظر: الفصل الأول-المبحث الثالث.
(5) انظر: الفصل الأول- المبحث الثاني.