ينظر، فلما قضى حاجته، واستفقه ما يقال له، شخص بصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السماء كما شخص أول مرة، فاتبعه بصره حتى توارى في السماء فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى، قال: يا محمد! فيم كنت أجالسك، وآتيك ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة. قال: (وما رأيتني فعلت؟ ) قال: رأيتك تشخص ببصرك إلى السماء، ثم وضعته حيث وضعته على يمينك، فتحركت إليه، وتركتني فأخذت تنفض رأسك كأنك تستفقه شيئًا يقال لك، قال: (وفطنت لذاك؟ ) ، قال عثمان: نعم. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أتاني رسول الله آنفًا، وأنت جالس) قال: رسول الله؟. قال: (نعم) . قال: فما قال لك؟ قال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} "النحل/90"، قال عثمان فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدًا [1] .
وهكذا كان جبريل - عليه السلام - ينزل بالوحي على خير الأنام - صلى الله عليه وسلم - ... فتنزل معه على المؤمنين كلُ سكينة، وكل عزة، وكل نصر ... كيف ترى البشائر التي تنزل مع أول معلمٍ لألفاظ القرآن الكريم من الخلق طرًا - عليه السلام - لأشرف متعلمٍ لألفاظ القرآن الكريم من الخلق طرًا - صلى الله عليه وسلم -؟.
وقد قال عتيبة بن عتيبة بن مرداس التميمي الذي شهد حنينًا مع المشركين، فلما رأى المسلمين انفضوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم نُصر برغم ذلك علم أنه جبريل - عليه السلام - النازل -بإذن الله -بالنصر، فثمَّ أعلن إسلامه:
فضاربوا الناس حتى لم يروا أحدًا ... حول النبي إلى أن جَنَّهُ الغسقُ
ثمة نزل جبريل ينصرهم ... من السماء، فمهزومٌ ومعتنقُ
منا، ولو غير جبريل يقاتلنا ... لمنعتنا إذن أسيافنا العُتُقُ
(1) مسند الإمام أحمد بن حنبل 1/ 318، مرجع سابق.