7 -والوعي الكامل في الفؤاد ... إذ إن جارحة البصر (العين) ، وجارحة السمع (الأذن) ما هما إلا تحويل وترجمة لما يُشاهَد ويُسْمَعُ من العالم الخارجي إلى مراكز وعيها في الدماغ ومنه إلى المركز الأصلي للوعي (الفؤاد) ... أما الملَك فيصل مباشرة بكلام مسموع، كما أن صورته تصل مباشرة إلى مركز الفؤاد، فيلقي بالوحي الإلهي على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويسمعه النبي - صلى الله عليه وسلم - سماع أذن وفؤاد بدليل تحريك لسانه بعد الملَك -وسيُفصَل ذلك في المبحث الذي بعد هذا إن شاء الله - عز وجل -، في حين يرى الصحابة آثار ذلك من الشدة التي تعتري النبي - صلى الله عليه وسلم -، والتي سموها (بُرحاء الوحي) ... فيلقي الملَك الوحي حال كون هذا المُلْقَى بلسان عربي مبين، فيقرؤه جبريل - عليه السلام - على النبي - صلى الله عليه وسلم - كما أمره الله - سبحانه وتعالى - أن يقرأه؛ ولذا نسب الفعل إلى ذاته العلية سبحانه في قوله {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} مبالغة في التأكيد على أن ما قرأه جبريل - عليه السلام - هو اللفظ الذي أراد الله - سبحانه وتعالى - أن يقرأه، وبالهيئة ذاتها التي أرادها - عز وجل -، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حال قراءة جبريل - عليه السلام - مطرق مستمع لا يحرك لسانه -بعد تعليمه ذاك- حتى يقضي جبريل - عليه السلام - قراءة الوحي عليه، فإذا قضى انطلق جبريل - عليه السلام -، وقرأه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قرأه جبريل - عليه السلام -، فلا يعترض معترض على هذا الموضع بالقول: إنا لا نراه يحرك لسانه ترديدًا، إذ الإلقاء على قلبه، ومعلوم أن عدم تحريك لسانه كان بعد نزول سورة القيامة [1] .
ويدل لما سبق تفصيله من مراحل حديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بفناء بيته بمكة جالس؛ إذ مر به عثمان بن مظعون فكشر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ألا تجلس؟ ) قال: بلى! قال فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستقبله، فبينما هو يحدثه، إذ شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببصره إلى السماء، فنظر ساعة إلى السماء، فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، وأخذ ينفض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له، وابن مظعون
(1) وبأتي مزيد تفصيل لذلك -إن شاء الله تعالى-عند ذكر حديث المعالجة: المبحث السادس من هذا الفصل.