فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 360

تصويرًا للحالة الغيبية غير المشاهدة لغير الرسول - صلى الله عليه وسلم - لنزول الملَك عليه بالوحي، وهي أشدها عليه، فتكون في غاية الدقة في وصف مكان الملَك، والمسافة التي تبعده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحالة، وإن كان من حواليه لا يراه، وإما أن يكون تصويرًا لحالة المجيء المشاهد للملَك، وهو كائن عند تمثل الملَك رجلًا، فقد كان يتم للملَك القرب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر كحديث عمر المشهور في مجيء جبريل - عليه السلام - يعلمهم أمر دينهم حيث جعل ركبتيه عند ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، ولكن هذا المجيء المشاهد للملَك لا يتعلق به وحي قرآني؛ إذ هاهنا حقيقة تتعلق بهيئة الملَك عند الوحي القرآني هي أن الوحي القرآني لا يأتي الملَك فيه إلا بالصورة الأشد.

فإن اعتُرض بأنه قد جاء: الوحي القرآني في غار حراء والملَك متجسدٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم - ظاهرٌ بارز؟. فالجواب: بل كان الوحي في غار حراء من أشد ما لقيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في تلقي الوحي القرآني وذلك ظاهر، حتى رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوحي ترجف بوادره [1] ، ثم قد جاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد شُقَّ صدره هناك، وحسبك بذاك تهيئةً وشدةً لو صح، على أن تجسد الملَك له في غار حراء كان في بدايات الوحي تمهيدًا لأن يعتاد الاتصال بالملَك دون أن يعتريه ضعف جسماني، ولا شك عقلي في أن الذي يتصل به ليس إلا ملك، ولذا قال صاحب التحرير والتنوير:"فكانت قواه البشرية يومئذ غير معتادة لتحمل اتصال القوة الملكية بها مباشرة، فكان ذاك -يعني التجسد- رفقًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا يتجشم شيئًا يشق عليه" [2] .

7 -وبعد ذا القرب تكون مرحلة الإلقاء والتعليم: حيث يلقي الملَك

على النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أمره الله - عز وجل - به أن يلقيه {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} "النجم/ 10"، وليس إلقاء الملَك من فمٍ إلى فمٍ فحسب، بل يلقيه على قلبه - صلى الله عليه وسلم - ... كأن جبريل - عليه السلام - يصل رأسًا إلى مركز السمع والبصر

(1) البخاري 1/ 4، مرجع سابق.

(2) التحرير والتنوير 26/ 97، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت