فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 360

وعلى هذا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرى جبريل - عليه السلام - رؤيا حقيقية، لكنها رؤيا فؤاد كما أن العين ترى ضوءًا فترسل إشاراتها الضوئية إلى المخ فيتم وعيها في المخ ... فهل كانت رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل - عليه السلام - تصل مباشرة إلى مركز الإبصار في المخ، كما أن استماعه لقراءته يصل إلى مركز السمع في المخ ... والمخ متصل بالمركز العقلي المتحكم المسمى بالفؤاد ... ؟ قد يكون الأمر كذلك؛ إذ لو كانت رؤيا جارحة لرآها كل من له الجارحة ذاتها ممن يكون موجودًا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مكان تلقي الوحي، وقد يقال باختلاف جارحة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن جارحة غيره، ولذا تمت تهيئته - صلى الله عليه وسلم - لتلقي الوحي القرآني كما سبق في الفصل الثاني، ويُقَرِّبُ هذا: أننا نعلم أن الحيوانات تشترك في جارحة السمع والبصر مع تفاوتها في دقتهما، ومدى تركيزهما ... ولكن ذكر الفؤاد [1] يجعل الاحتمال الأول أرجح وأوقع، وإن كلن التفصيل غير مجزوم به؛ إذ قد يكون الاتصال بالمراكز الأساسية للسمع والبصر، والوعي في الفؤاد دون المرور بالمراكز التي في المخ، وقد يكون الأمر بصورة تفصيلية غير ذلك، ولكن لا شك أن الواقع العلمي الذي نعيشه اليوم قد قرب تصور هذه العملية كثيرًا، وما ظَهَر يُقَرِّبُ فهم ما لم يظهر {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} "ص/88"... ويزيد هذا الاحتمال رجحانًا ما تم من إعداد خاص لفؤاد النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سبق التكلم عن ذلك في أول الفصل الثاني.

فإن اعتُرض بالقول: إذا كان جبريل - عليه السلام - عند نزوله على قلب النبي لتلقينه الوحي القرآني على مسافة قاب قوسين أو أدنى- أفما كان يقرب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من ذلك، أو ينأى عنه أكثر؟. فالجواب: إما أن يكون هذا

(1) ويزيد الأمر جلاء ظهور الفرق بين {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} "النجم/11"، و {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} "النجم/17"إذ الأولى لرؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل - عليه السلام - عند نزوله بالوحي عليه بصفة دائمة، والثانية لرؤيته له عيانًا في خلقته الأصلية في المرة الثانية من المرتين اللتين شاهد فيهما الرسول - صلى الله عليه وسلم - جبريل - عليه السلام - في خلقته الأصلية ... هذا إن جُعلت كلمة البصر واردة في معناها الحقيقي المباشر وهو الجارحة المعروفة، وهو الظاهر، كما أنه الذي يدل عليه السياق ... ويحتمل أن يكون المراد مركز البصر في الدماغ أو الفؤاد ... وعلى كلا الاحتمالين فإن ذكر الفؤاد في الآية الأولى مع علمنا أنه لم يكن الصحابة يشاهدون جبريل - عليه السلام - إن جاء في الصورة الشديدة للوحي ... يؤكد أن الاتصال كان بالمركز الأصلي المباشر للإدراك عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ... والأمر -بعد- بحاجة لمزيد تفصيل ... لعله يكون في طبعات قادمة -إن شاء الله تعالى-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت