2 -ينخلع النبي - صلى الله عليه وسلم - من قدرته البشرية عند رؤيته الملَك، وسماعه الوحي مع بقائه على خلقته البشرية، فالمراد انخلاع القوى الباطنة، لا الخلقة الظاهرة [1] ، فالرؤية والسماع يكونان من المركزين المباشرين للسمع والبصر في الفؤاد؛ إذ {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} "النجم/ 11" [2] ؛ ولذا كان - صلى الله عليه وسلم - يأتيه الوحي شديدًا عنيفًا؛ إذ يتوجب عليه بذل قُوى فوق الطاقة البشرية للسماع غير المعتاد بشريًا، والرؤية غير المعتادة بشريًا، والملكة القوية في الحفظ مما لا يعتاد بشريًا، زيادة في التأكيد على المحفوظ إذ كان ذلك من لوازم جمعه في صدره، وليتمكن من رؤية جبريل - عليه السلام - وسماعه، وهو ما لا يراه من حوله، ولا يستطيعون سماعه [3] ، وعبر عن ذلك ابن خلدون-رحمه الله تعالى- فقال:"وصنفٌ مفطورٌ على الانسلاخ من البشرية جملة، جسمانيتها وروحانيتها إلى الملائكة من الأفق الأعلى، ليصير في لمحة من اللمحات ملكًا بالفعل، ويحصل له شهود الملأ الأعلى في أفقهم، وسماعُ الكلام ... [4] ، والخطاب الإلهي في تلك اللمحة، وهؤلاء الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- جعل الله - عز وجل - لهم الانسلاخ من البشرية في تلك اللمحة، وهي حالة الوحي فطرةً فطرهم الله - سبحانه وتعالى - عليها، وجِبِّلَةً صورهم فيها، ونزههم عن موانع البدن، وعوائقه، ما داموا ملابسين لها بالبشرية، بما ركب في غرائزهم من القصد، والاستقامة التي يحاذون بها تلك الوجهة، وركز في"
(1) فلا يَرِدُ على هذا الكلام القول بالتناسخ، أو قدرة البشر على التشكل؛ إذ ذاك ليس لهم، ولا في إمكانهم، وينبغي أن يفسر كلام العلماء الذين سينقل عنهم -بعد قليل- في هذا الموضوع بهذا التفسير؛ إذ إن بقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في خلقته البشرية آن نزول الوحي عليه ثابت تواترًا كما يُلاحظ ذلك في النصوص التي ترد في هذا البحث.
(2) وما علاقة ذلك بمركزي السمع والبصر الكائنين في الدماغ؟، محل نظر وبحث بدأت بعض الإشارات العلمية بالتلميح إليها، والمستقبل واعد بمزيد تجلية لهذا الموضوع.
(3) وقال الأصفهاني في أوائل تفسيره:"اتفق أهل السنة والجماعة على أن كلام الله - سبحانه وتعالى - منزل، -إلى أن قال مبينًا أن الله - عز وجل - عَلَّم جبريل - عليه السلام - كيفية قراءة كلامه في السماء وهو ما سبق في المباحث الماضية- ثم جبريل - عليه السلام - أداه في الأرض وهو يهبط إلى المكان، وفي ذلك طريقتان:"
إحداهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - انخلع من صورة البشرية، إلى صورة الملكية، وأخذه من جبريل - عليه السلام -، وثانيهما: أن الملك نخلع إلى البشرية حتى يأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - منه، والأولى أصعب الحالين"فتح الباري 3/ 123، مرجع سابق، ولا شك أن الصورتين واردتان كما في حديث الحارث بن هشام المتقدم ص68."
(4) في الأصل: الكلام النفساني ... والبحث قائم على ما قرره محققو أهل السنة والجماعة من أن الكلام حقيقي لا نفساني.