فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 360

طبائعهم رغبةً في العبادة، تكشف بتلك الوجهة، فهم يتوجهون إلى ذلك الأُفق بذلك النوع من الانسلاخ متى شاءوا، بتلك الفطرة التي فطروا عليها، لا باكتساب، ولا صناعة، فلذا توجهوا، وانسلخوا عن بشريتهم، وتلقوا في ذلك عن الملأ الأعلى ما يتلقونه عاجوا [1] به على المدارك البشرية منزلًا في قواها لحكمة التبليغ للعباد" [2] ."

-وغير خافٍ أن المقتضى المنهجي هنا يجب أن يتركز في أن جهود الحفظ البشرية الضخمة للقرآن الكريم خلال القرون، المؤيدة بالرعاية الإلهية إنشاء، وإعدادًا، وإمدادًا، ومتابعة، يجب أن تساوي في وزنها وتركيزها هذه اللحظات التي يتلقى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -. وبعد ذلك يكون النزول بالقرآن على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو المطلب الثاني.

المطلب الثاني: النزول على القلب [3] : إن إلقاء جبريل - عليه السلام - ألفاظ القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يكون خطاب فمٍ لفم، بل قراءة فمٍ على قلب {عَلَى قَلْبِكَ} ، فلا يكون ثم أي ضعفٍ للبشر، ولا نقصٍ يتسم به البشر، ولا لجلجةٍ تصحب إدراك البشر؛ إذ القراءة موجهة إلى مركز إدراك البشر مباشرة، وهو المركز الذي نزع منه جبريل - عليه السلام - حظ الشيطان، وملئ حكمة [4] ... فينخلع النبي - صلى الله عليه وسلم - عندها من بشريته، وهو بشر! أي ينخلع من القدرات البشرية المحدودة مع بقائه على خلقته البشرية ... وذلك لإزالة أدنى خاطر يخطر على حائم حوله الشياطين، من أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قد يفقد حرفًا من هول الموقف، أو من تأثير الطبيعة، ولذا كان هذا التصوير الدقيق لنزول

(1) أي مالوا وعادوا به بعد سماعه في طبيعة البشر.

(2) عبد الرحمن بن خلدون ت 808 هـ: مقدمة ابن خلدون 98، ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس: خليل شحادة، مراجعة: د. سهيل زكار، ط 1417هـ، 1996م - دار الفكر - بيروت، وإن كان التعبير عن هذه الحالة الدقيقة التي يكون فيها الرسول متصلًا بالملَك بحاجة إلى حذر في الكلمة خشية التزيد أو الإيهام، ولذا فقول ابن خلدون:"متى شاءوا"فيه نظر كبير بل متى أذن الله - عز وجل - لهم، فجاءهم الملَك لا أنهم هم يذهبون ... ولعل من حكم ذلك بقاء صبغتهم البشرية أغلب حتى لا تكون حجة في عدم الاقتداء

(3) أفرد بالعنونة لجلالته، وعظيم خطره.

(4) انظر: الفصل الثاني - المبحث الثاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت