فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 360

وقد فتح الله -تعالى ذكره- أذهان البشرية في عصرها الحاضر على حقائق علمية ضخمة تقرب لنا سر نزول جبريل - عليه السلام - بألفاظ القرآن على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن جبريل - عليه السلام - تعدى أداة التوصيل السمعي لدى البشر وهي الأذن الخارجية إلى مركز السمع مباشرة، وأداة التوصيل البصري لدى البشر وهي العين الخارجية إلى مركز البصر مباشرة ... ويزيد هذا تقريبًا أن يقال: لما كان القلب يتلقى الصوت كما يرى الصورة في المنام ... والجارحة المباشرة من عين وأذن نائمة مغطاة ... ثم إذا استيقظ تذكر كله في اليقظة ... وقد جاء التشريح الطبي مؤكدًا حقيقة مراكز السمع والبصر، وأنها مراكز في المخ تعي ما يصل إليه عن طريق الجوارح كما تعي ما يصل إليها عن طريق الرؤى المنامية، وما قد كُشف يقرب لنا ما لم يكشف مما قد غاب عنا، وقد كانت أُولى مراحل الوحي التي هيأ بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لتلقي الوحي المباشر هي الرؤى المنامية الصادقة، ثم رؤيته للملَك في منامه كما سبق تفصيل ذلك في الفصل الثاني، وحالة الوحي في النوم مقربةٌ لحالة الوحي في اليقظة ... مما قد يقرب لنا فهم كيفية الوحي وحدوثه، واستيعاب كيفية تلقي النبي - صلى الله عليه وسلم - للوحي بواسطة الاتصال بعالم الملائكة ... بطريقة يرى الصحابة آثارها في النبي - صلى الله عليه وسلم - من تصبب العرق في اليوم الشديد البرد، وترجيع اللسان، وثقل جسم النبي - صلى الله عليه وسلم - [1] دون أن تشاهد أبصارهم صورة الملك، أو تسمع آذانهم صوته ... لأن الاتصال كان في مستوى لا يدركونه، ولكنهم يسمعون قرآنًا معجزًا لا تنقضي عجائبه، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد.

وذكر أبو حيان -رحمه الله تعالى- سبعة أقوال في تخصيص ذكر القلب [2] حاصلها راجع إلى قولين:

(1) انظر: المبحث الخامس من هذا الفصل.

(2) أبو حيان في البحر المحيط 1/ 320، مرجع سابق، ونص قوله:"خص القلب ولم يأت بعليك الأخصر، لأن القلب هو محل العقل، وتلقي الواردات، أو لأنه صحيفته التي يرقم فيها، وخزانته التي يحفظ فيها، أو لأنه سلطان الجسد، أو لأن القلب خيار الشيء وأشرفه، أو لأنه بيت الله، أو لأنه كنى به عن العقل إطلاقًا للمحل على الحال به، أو عن الجملة الإنسانية؛ إذ قد ذكر الإنزال عليه في أماكن {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} "طه/2" {وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} "النساء/113"، أو يكون إطلاقًا لبعض الشيء على كله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت