فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 360

وأتى بلفظ {عَلَى} لأن القرآن مُسْتَعْلٍ على القلب،، والقلب سامعٌ له مطيعٌ يتمثل ما أمر به ويجتنب ما نهى عنه، وكانت أبلغ من (إلى) ؛ لأن (إلى) تدل على الانتهاء فقط، و {عَلَى} تدل على الاستعلاء، وما استعلى على الشيء يتضمن الانتهاء إليه [1] .

ويلوح للباحث ثلاثة أمور في حرف الجر {عَلَى} :

أولها: أن الاستعلاء مستغرق للملكية، مهيمن على المحل، فارض لسلطانه، واضح ثقله وسيطرته في مكانه، وكأنه أُريد بذلك أن القرآن عندما ينزله جبريل - عليه السلام - على قلبك قد تتام قبضهُ على القلب، وسيطرته عليه، فهو مهيمن على القلب في لفظه، لا يستطيع القلب أن يفلت منه مثقال ذرة، وفيه: الإشعار بأن ألفاظه مفروضة على القلب فرضًا، فلا مجال لزيغ حروفها عنه، ولا لتحريف هيئتها، مع حب قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لها كما سيأتي [2] ، ولم تبق فيه ذرة تتأثر إلا به، ولا تحتفل إلا له، فهو خلي عن غيره، وفي هذا تمام الحفظ والفهم والاهتمام، ولذا قال الصاوي -رحمه الله تعالى-:"عبر بـ {عَلَى} لتمكنه، وانصبابه، ورسوخه؛ فإن الشيء إذا صب من أعلى لأسفل رسخ وثبت" [3] .

وثانيها: أن على مؤكدة للإنزال من أعلى إلى أدنى: كما قال تعالى في آل عمران {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ... } "آل عمران /84"فالخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - مُوَجَه، والمُنْزَل إنما هو مُنْزَلٌ عليه من السماء إلى حيث هو، بخلاف آية البقرة {قُولُواءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ... } "البقرة/136"فإن الخطاب لصحابته، ثم لأمته -من بعد- والإنزال إنما يكون إليهم؛ إذ يتضمن حرف {إلى} معنى المجاورة، ويجعل فعله يتضمن معنى الإيصال، فليس ثم أعلى ولا أدنى، كأنهم قالوا: آمنا بالله وما أنزل على رسوله مما وصل إلينا ... لأنه إنما وصل إليهم من محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو بجوارهم لا فوقهم، ولكن لارتباطه بأنزل أفاد أمرًا آخر ... -لاقتضاء الإنزال أعلى وأدنى- هو أن الوحي أُنزل على غير

(1) انظر: البحر المحيط1/ 320، مرجع سابق.

(2) انظر: حديث المعالجة في المبحث السادس من هذا الفصل.

(3) حاشية الصاوي 1/ 72، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت