المخاطبين ثم وصل إليهم ... فقد تضمن الفعل: أنزل، والحرف {إلى} ذلك ببلاغة بديعة، وإعجاز عظيمٍ ... ومن أسراره أنهم جعلوا -بهذا التعبير- ما أنزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو ذاته ما وصل إليهم دون ريب ... ومعلوم أن التضمين عند العلماء مُقَدَّمُ على تبادل الحروف [1] .
وثالثها: أنه قال على ولم يقل (في) لئلا يتوهم أن جبريل - عليه السلام - ألقى القرآن في قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - دون سماع، وسيأتي مزيد تفصيل له -إن شاء الله تعالى- [2] .
إعداد القلب مسبقًا:
وجهت لقلب النبي - صلى الله عليه وسلم - عناية فائقة، وكان جبريل - عليه السلام - هو الذي هيأ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - واعتنى بقلبه خاصة في كل مرة يأمر الله ويأذن بذلك كما سبق في حديث شق الصدر [3] ، وقد كان قلبه يحس ويعقل حتى إن نامت عيناه، فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: جاءت ملائكة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا، فاضربوا له مثلًا، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيًا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا: فالدار الجنة، والداعي محمد - صلى الله عليه وسلم - فمن أطاع محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فقد أطاع الله ومن عصى محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فقد عصى الله، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - فرق بين الناس) [4] ، وفي رواية الترمذي عنه قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا،
(1) (ابن تيمية) أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ت 728هـ، شيخ الإسلام: مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية 13/ 330، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي، 1421 - 1991م، دار عالم الكتب الرياض.
(2) انظر: المبحث السابع من هذا الفصل.
(3) انظر: الفصل الثاني -المبحث الأول-المطلب الأول.
(4) صحيح البخاري 6/ 2655، مرجع سابق.